مجلة شهرية ثقافية مصورة تأسست عام 1958 تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت للوطن العربي ولكل قارئ للعربية في العالم
 
بحث
العدد الحالي كل الاعداد

سنة  
شهر

 
 

 

حول غياب الحوار الفلسفي في ثقافتنا

          اختار الكاتب صيغة الرسالة, ليكتب رأيه حول غياب الحوار الفلسفي في ثقافتنا العربية, وأثر ذلك الغياب فيما نعانيه. ولعله في تلك الصيغة ضمَّن رأيه  بضرورات للحوار نفتقدها في الخطاب الثقافي العربي والتي نرجو أن تكون بداية حوار على صفحات (العربي) .

          الدكتور سليمان العسكري ..

          فوجئت برسالتك المؤرخة في 10/4/2004 التي تطلب فيها أن أكتب مقالة عن (الحوار الفلسفي الغائب في بلادنا), باعتباره (من القضايا المسكوت عنها في الوقت الحالي), وذلك بهدف نشرها في مجلة (العربي) الشهرية التي تشرف على إدارتها. تساءلت: ما الأسباب التي تدفع إدارة (العربي), وهي مجلة تنأى عن التخصص, وعن الأبحاث العلمية والفلسفية الأساسية, إلى إثارة موضوع حساس وشائك مثل موضوع الحوار الفلسفي? وما الغاية القريبة من إثارة هذا الموضوع? وحتى اليوم, لم يتوافر عندي جواب واضح وأكيد حول هذين السؤالين, غير أني افترضت أن ثمة شعورًا ما بالحاجة إلى الفلسفة وفاعليتها التنويرية, وسعيا إلى فائدة ما منها, في الظروف الراهنة للعالم العربي, وراء هذا الطلب. فاقتنعت بضرورة الإجابة, ولكن من دون علم بالنقاط المركزية التي ينبغي معالجتها. ولذا تراني أكتب لك هذه الرسالة, لأن أسلوب الرسالة يتوافق مع مرونة العرض وانسياب التفكير والملاحظة والإيحاء أكثر من أسلوب البحث أو المقالة المتخصصة.

          إنك تطرح في رسالتك عنوانا هو (الحوار الفلسفي الغائب في بلادنا), ولا توجه أسئلة محددة, ومن الواضح أن مركز الثقل في هذا العنوان ليس (الحوار الفلسفي) في بلادنا, بل الحوار الفلسفي (الغائب) في بلادنا. الحاضر بشدة وإلحاح في سؤالك هو الغياب, وتحديدا غياب الحوار الفلسفي في بلادنا. إنك إذن تدعو إلى التفكير في (غائب) محدد, مفترضا أن واقعة غيابه مؤكدة. وبحسب منطق دعوات من هذا النوع, أنك تدعو بالتالي إلى التفكير والبحث عن (أسباب) هذا الغياب, قبل البحث عن نتائجه وعن كيفية إزالته, (إذا كانت إزالته ممكنة).

          وإنك لتعلم دون شك أن التفكير في أسباب ما هو غائب أصعب من التفكير في أسباب ما هو حاضر. وفي أي حال, لا يستقيم تفكير من هذا النوع إلا إذا افترضنا أن الشيء الغائب معلوم الهوية, وأنه كان من الواجب أو من المستحسن أن يكون غير غائب, وبالتالي أن يكون حضوره ممكنا في ذاته وممكنا في الظروف والشروط التي نحن معنيون بها, فهل نحن نعلم بالضبط ما هو الحوار الفلسفي? وهل واقعة غيابه في بلادنا مؤكدة? وإلى أي حد? ومن هو الطرف الذي يعتبر أن قيام حوار فلسفي في بلادنا أمر واجب أو مستحسن? وما الشروط والوسائل التي لا بد منها لكي يقوم هذا الحوار بالفعل ويقيم في ربوع بلادنا?

          هذه الأسئلة ليست للمماحكة, ولا للتهرب من السؤال المطروح كما حاولت أن أفهمه. وإنما هي, في نظري, المدخل الصحيح إلى معالجته. فمن جهتي, يمكنني أن أؤكد لك أن لدي تساؤلات كثيرة حول معنى الحوار الفلسفي, وشكوكا حول الاتفاق في بلادنا بين من يعنيهم هذا الحوار (ومن هم بالضبط?) بخصوص مقوماته وشروطه ومظاهره. وأكثر من ذلك, أني أتساءل جديا حول مدى وجود الحوار نفسه في ذهنيتنا وسلوكنا, بصرف النظر عن الصفة الفلسفية. الحوار مفهوم راق وسلوك صعب. إنه موقف في عملية البحث عن الحقيقة, البحث عن الرأي الصحيح والاعتقاد السديد, سواء في شئون العمليات أم في شئون النظريات, أقل ما يقال فيه إنه مناقض لليقينية الدوغماوية الاستبدادية. وهو غير المناظرة وغير المساجلة. فما هي حقيقة ممارستنا للحوار في حياتنا? هل تعتقد أننا متقدمون في هذه الممارسة?

الحوار بين الحديث والتطبيق

          لنأخذ الأمور كما هي, ولنعترف بأننا نتحدث عن الحوار أكثر بكثير مما نمارسه فعلا. الجرائد والمجلات والتلفزيونات والراديوهات, الرسمية وغير الرسمية, تملأ أسماعنا وأبصارنا بالحديث عن حوار الأديان والمذاهب والطوائف, وحوار الحضارات والثقافات, وحوار السلطة والمعارضة, وحوار الأجيال, وحوار الندوات والجمعيات, وحوار الأحزاب.. إلخ. والنتيجة الفعلية لهذا كله قلما تكون تغييرًا حقيقيًا في المواقف والمنطلقات. فإذا قلت إننا لا نمارس الحوار لأننا لا نمتلك تصورًا واضحًا ومتينًا له, فإن الجواب يمكن أن يكون بأن التصور في مثل هذه الحالات يأتي بالممارسة ومع الممارسة. وإذا قلت إن الحوار كتصور وقيمة يتطلب بلورة فلسفية لمفهومه ومكانته ووظيفته وفوائده, فإن الجواب يمكن أن يكون إنه لهذا السبب يستفقد الحوار الفلسفي ويطرح السؤال عن حضوره وغيابه. ولا بأس في الجوابين, لتجنب الوقوع في الدور المنطقي وفي اليأس العلمي. ولكن, أين نحن من الحوار الفلسفي?

          يعود بي هذا السؤال إلى تجربتي الشخصية في ميادين التعليم, والبحث والإدارة والنشاطات الندوية على امتداد أربعة عقود متواصلة. وقد أكتب بالتفصيل عن هذه التجربة إذا اقتنعت بالجدوى من الكتابة عنها. إلا أنه يمكنني أن أقول, في ما يخص طلبك, أن السبب الرئيسي المباشر لما تسميه غياب الحوار الفلسفي في بلادنا, وما أفضل أن أسميه الضعف الشديد له, إنما هو الضعف الشديد للبحث الفلسفي والتعليم الفلسفي في بلادنا. المُحاور في الفلسفة هو الباحث في قضاياها وميادينها وتاريخها, هو صاحب الموقف المنفتح من أسئلتها, المستوعب لمناهجها وأدواتها, هو المشارك في أعمال المشتغلين بحقولها, بصرف النظر عن لونهم وجنسهم. ألا ترى معي كم أننا مزمنون في إطلاق صفة الفيلسوف وفي التحفظ حيال كل من يشتغل بالفلسفة, على الرغم من أننا نعلم أن عصر الاعتقاد القائل إن (من تمنطق فقد تزندق) قد ولى إلى غير رجعة? وبالعكس, ألا ترى معي كم أننا مرتاحون, إنتاجا وتصنيفا وتسويقا, (بحسب لغة الاقتصاد السائدة) في التعامل مع الشعر ومع الخطاب الديني المحافظ? لست ههنا في معرض البحث عن أسباب ضعف النشاط الفلسفي عندنا, في داخل القطاع الخاص به وفي خارجه. فما يهمني أن ألاحظه بالنسبة إلى طلبك هو أن السؤال عن غياب النشاط الفلسفي في بلادنا. إذا تعزز النشاط الفلسفي في ثقافتنا تعليما وإنتاجا, فإن الحوار الفلسفي سيتعزز بصورة أو بأخرى. فالمشكلة الأصلية إذن هي مشكلة البحث الفلسفي ومكانته في ثقافتنا.

          أقول هذا لأنني لا أتصور وجود نشاط فلسفي بالمعنى الحقيقي للعبارة, أي بمعنى التعليم الفاعل والبحث والنقد والإبداع, دون حوار فلسفي, ولا أعتقد أنه يمكن أن ينشأ حوار فلسفي من دون قطاع فلسفي ناشط ومنتج, ولا أخالك تتوقع مني أن أرسم لك صورة عن الحوار الفلسفي كما هو, أو كما أعرفه, من خلال تاريخ الفلسفة, القديم منه والمعاصر. فالحوار في الممارسة الفلسفية يبدأ بالحوار بين الفيلسوف ونفسه (على شاكلة ما فعله أفلاطون في محاوراته الرائعة) ويرتقي من الحوار بين الفلاسفة في مجتمع معين أو في دائرة حضارية معينة إلى الحوار بين الفلاسفة وعبر الثقافات والحضارات والعصور المتباينة. وله بالطبع خصائصه وشروطه وحدوده. ومادمنا قد سلمنا بأن تصوره ليس موضوع بحث مجرد, بل يأتي ويتبلور بالممارسة ومع الممارسة, فمن الأفضل أن نفكر فيه من خلال تجربتنا. فهي, على علاتها, ذخيرتنا التي تمكننا من فهم ما نحن عليه ومن تحديد ما يمكن عمله.

تفاوت النشاط الفلسفي

          لقد قلت إني أفضل أن أتحدث عن ضعف الحوار الفلسفي في بلادنا بدلا من التحدث عن غيابه, ذلك لأنني أعتقد أن النشاط الفلسفي عندنا ليس معدوما. إنه موجود في التعليم وفي برامج دور النشر وفي نشاطات المؤسسات الثقافية, ولكن على تفاوت كبير فيما بين البلدان العربية في رعايته, وعلى هيئة عامة يغلب عليها التبعثر. ومن المؤسف أنه لا يوجد عنه صورة شاملة وموضوعية تساعد على التعامل معه, إعلاميا وتقديريا, بصورة مناسبة. وفي الواقع, ثمة نزعة اختزالية شائعة ترمي إلى القول إنه لا وجود لفلسفة عربية معاصرة. ولهذه النزعة أسباب وأهداف ونتائج. فإذا صح أنه لا وجود لفلسفة عربية معاصرة, فإن مسألة الحوار الفلسفي تصبح بلا مقوم موضوعي. مع من تتحاور وسائل الإعلام إذا كان المحاور (الفيلسوف) غائبا? وكيف يمكن أن ينشأ حوار فلسفي إذا كان جميع المعنيين بالفلسفة مقتنعين بأنه لا وجود لفلاسفة فيما بينهم? والحق أنه, إذا صرفنا النظر عن الجهات التي ترغب في تغييب النشاط الفلسفي, وتسعى إلى محاربته أو طمسه أو منعه أو تهميشه, وهي كثيرة, فإننا نجد أن الذين يشعرون بضرورة الفلسفة في بلادنا لا يعملون الكثير لتعزيزها وتنشيطها ونشر تأثيرها في المجتمع. وهذا ينعكس سلبيا على صعيد الحوار فيما بينهم.

          في هذا السياق, يبدو لي من الضروري الإقلاع عن استخدام عبارة ( فلسفة عربية معاصرة) ـ في هذه المرحلة على الأقل ـ والتركيز بدلا منها على الفلاسفة والمشتغلين بالبحث الفلسفي كأشخاص لكل واحد منهم هويته وسيرته. لأنه, إذا كان ثمة ( فلسفة عربية معاصرة). فإنها لن تكون سوى صورة وحصيلة لجهود فلاسفة, يتمتع كل واحد منهم بشخصيته ونزعته ولغته وموقعه ونظرياته. وهل الفلسفة الإنجليزية. أو الألمانية أو الفرنسية, أو الأمريكية, على غير هذا الوضع?

          والنتيجة المباشرة لهذا الإجراء العملاني هي أنه يتعين على وسائل الإعلام أن تسعى من جهتها وبطرقها إلى إقامة الحوار مع الفلاسفة والمشتغلين بالبحث الفلسفي من العرب الأحياء, لأن  الحوار مع الفكر الفلسفي من خارجه مهم بقدر الحوار في داخله. وهنا, أود أن أضيف ملاحظتين, لا شك أنك تفهمهما جيدا, وأعتقد أنك تؤيدني فيهما. الأولى إعطاء الأولوية للنتاج نفسه (الكتب والأبحاث في المجلات) على المقالات والأحاديث - خلافا لما هو شائع وجار في هذه الأيام.

          والثانية إثارة النقاش حول القضايا المطروحة أو التي ينبغي طرحها ومعالجتها بصورة ذكية وحية, بدلا من العرض البارد أو المحايد. فالفلسفة نصوص مكتوبة للقراءة والتأمل, لا للإلقاء في احتفالات, ولا للاختصار في شعارات. ومهمة وسائل الإعلام أن تبذل الجهود المختلفة لتسهيل عملية قراءتها وتقريبها من الجمهور.

          أقول هذا لا لنقل المسئولية عن تعزيز الحوار الفلسفي من وسط الفلاسفة والمشتغلين بالبحث الفلسفي إلى وسط الإعلاميين, بل لتحميل كل طرف مسئوليته في هذا الشأن. ومع أني لا أجهل الصعوبات والقيود التي تكبل حركة الإعلام الثقافي في بلادنا, فإني مقتنع تمام الاقتناع بأن هذا الإعلام قادر على أداء دور أقوى وأفعل في مجالات تنوير الرأي العام بالفكر الفلسفي, ولاسيما إذا كان غير مرتبط ارتباطا ضيقا بالسوق المحلية والاعتبارات القطرية.

الممارسة الحوارية

          ونظرا إلى أن فهم النصوص الفلسفية وتفسيرها يتطلبان حدا أدنى من الاطلاع على تاريخ الفكر الفلسفي, فإنه قد يكون من المناسب أن يتولى تقديم النصوص الفلسفية إلى الجمهور الواسع عبر الوسائل الإعلامية المشتغلون بالبحث الفلسفي أنفسهم. ولكن هل هؤلاء مستعدون للقيام بهذه المهمة? وإذا وجدنا بينهم من هو مستعد للقيام بها, فهل سيقوم بها بغير ما هو متوافر من أنواع الحوار الممارسة في إطار الممارسة الفلسفية نفسها?

          أخي سليمان,

          لا ريب عندي في أنك تعرف الكثير عن سلوكيات المثقفين العرب من خلال خبرتك الطويلة والمتنوعة, وأعني على وجه الخصوص كيفية تصرف بعضهم تجاه بعضهم الآخر وكيفية تعاملهم مع المؤسسات الثقافية والجامعية التي من المفروض أن تهتم بنتاجهم. وقد لا يضيف ما لدي عن هذا الموضوع شيئا إلى ما لديك عنه. ولكنك بإلحاحك على الحديث عن أسباب غياب الحوار الفلسفي في بلادنا تبدو وكأنك تريدني أن أقول بصوتي بعضا مما تعرفه لتورطني معك في قضية عامة, تبغي من إثارتها نفعا جزيلا للثقافة العربية. ولكني, وأنا لا أخشى التورط في مثل هذه القضايا, أخشى أن يكون حكمي فيها قاسيا, والقساوة قد تجر إلى نتيجة سلبية.

          ولذلك أرجو أن تصحح حكمي, إذا اقتضى الأمر, بالطريقة التي تراها مناسبة.

          المناسبات للحوار الفلسفي متنوعة. فأنت تستطيع أن تقيم حوارا مع أي مؤلف فيلسوف أو باحث في الشئون الفلسفية في كتابتك نفسها. وذلك بصورة صريحة ومباشرة, أو بصورة غير مباشرة. والحوار في هذا السياق يشتمل على الأخذ والرد, على التفهم والنقد, على المشاركة والاستيعاب وطلب الحجة الأقوى, بالنسبة إلى مشكلة بعينها, في ذاتها أو في أسبابها وفي نتائجها. ويمكنك أن تقيم حوارا مع أي فيلسوف أو باحث في الشئون الفلسفية في أثناء انعقاد ندوة, فيكون التعامل عندئذ مباشرًا حيا, وتقترن الأفكار بجملة من الحركات التي من شأنها أن توحي إليك من المعاني ما لا يمكن أن تضمه النصوص في ثناياها. ولكنك, في جميع الأحوال, لا تدخل في حوار فلسفي, إلا إذا كنت مهموما بمشكلة فلسفية ومعترفا لغيرك بقدرة على تزويدك بمعرفة فلسفية ليست لديك. وفي الواقع, لا يمكننا أن نشكو من ندرة المناسبات التي تسمح بأن يقوم حوار فلسفي بين المشتغلين بالفلسفة في البلدان العربية. ومع ذلك لايزال الحوار دون ما يمكن أن نتوقعه. ولا يتناقض هذا مع ما قلته سابقا من أن تعزيز النشاط الفلسفي يستتبع تعزيز الحوار الفلسفي. فالمسألة ليست كمية (ازدياد عدد المؤلفات حول الشئون الفلسفية, ظهور مجلات فلسفية, تكوين جمعيات فلسفية, عقد ندوات فلسفية), بل نوعية (كيف يطرح المؤلف المشكلة? وكيف يبرر طرحها? وما طريقة تعامله مع تاريخها? وما درجة اقتناعه بمضمون بحثه لها? إلخ). ومعنى ذلك أن تأثير العوامل النفسية الأخلاقية بصورة سلبية على الحوار الفلسفي ينبغي أن يقدر في ضوء تدني نوعية الالتزام الفلسفي والبحث الفلسفي.

          لقد شاركت في عدد كبير من الندوات الفلسفية في العواصم العربية. ونادرا ما لاحظت وجود حوار حول أطروحات فلسفية معينة في المناقشات التي كانت تجري خارج الجلسات المقررة, وكذلك نادرا ما كان العمل يتخذ طابعا حواريا في الجلسات نفسها, سواء على مستوى النصوص المطروحة للنقاش, أم على مستوى المناقشات نفسها. إذا كان الحوار الفلسفي يتطلب التركيز على الحجج العقلية المتصلة بالموضوع المطروح للنقاش, (وتبعا لذلك يتطلب الإصغاء للآخر والاحترام والانفتاح والتفهم والتقدير والتقييم لما يقوله), فإن ما كان يجري على العموم في الندوات التي أشير إليها كان أقرب إلى أن يكون شكلا من أشكال تصفية الحسابات الشخصية أو الأيديولوجية, منه إلى أن يكون شكلا من أشكال الحوار العقلاني حول أسئلة فلسفية محددة.

خوف وأنانية وانحيازات متعددة

          لكن دعنا من الندوات وملابساتها, ولنلق نظرة على النتاج الفلسفي نفسه. فهل الحوار غائب تماما عن هذا النتاج? لا, من دون شك. ولكنه حوار ضعيف وغير خلاق, ويداخله خليط من مشاعر الخوف والأنانية والحسد والانحيازات الأيديولوجية والطائفية والقطرية. هكذا يبدو لي بقدر ما أنا مطلع على جوانبه ومظاهره المختلفة. وفي الحقيقة, نحن هنا أمام موضوع لأطروحة دكتوراه.

          والمداخل إليه متعددة. من يحاور من? ما هو موضوع الحوار: هل يختلف الحوار القائم حقا عن المناظرة وعن المساجلة? كيف يستخدم النقد مع الحوار? وما هي الدواعي والأهداف المعلنة والمضمرة للحوار? هذه الأسئلة أذكرها لتوجيه أنظار الباحثين الناشئين إليها, وأيضا من أجل لفت انتباه القراء إلى ضرورة تجنب التقييم المتسرع الذي قد يوحي به الحديث الجاري ها هنا عن (الحوار الفلسفي الغائب في بلادنا).

          ولذلك لن أذهب في هذه الرسالة إلى أبعد من بعض الملاحظات الانطباعية, التي قد تخدم الغرض الذي تتوخاه.

          إن معظم ما يدور من نقاشات فلسفية في جميع مناطق العالم العربي منذ ثلاثة عقود يتناول التراث. فلا نقاش, إلا نادرا, حول قضايا الفلسفة الحيّة (قضايا فلسفة الفنون, وقضايا فلسفة السياسة, وقضايا فلسفة العلوم, وقضايا فلسفة الوجود, وقضايا فلسفة الأخلاق, وقضايا فلسفة الجسد, وقضايا فلسفة الطبيعة, وقضايا فلسفة الدين, وقضايا فلسفة التكنولوجيا, وقضايا فلسفة التربية, وقضايا فلسفة اللغة.. إلخ). إن وعينا الفلسفي لايزال مشغولا ومهموما ومرتبكا بعلاقته مع ماضيه أكثر مما هو منصب على معالجة قضايا الحياة في مجتمعاتنا الباحثة عن سبل المشاركة في تقدم الحضارة الإنسانية بعد نيلها الاستقلال السياسي. ومعلوم أن هذا الانشغال بالماضي التراثي ليس مقطوع الصلة عن معارك الحاضر. ولكن التفلسف الحق لا يكون بالاستغراق في التراث وفي تفسيره. وعلى أي حال, إذا حصرنا المسألة في العلاقة بتراث ابن رشد, نظرا إلى الاهتمام البالغ الذي قام حوله بفضل أعمال محمد عابد الجابري, فإني أتساءل حول جدوى الحوار معه وحوله إذا لم يكن هذا الحوار جزءا لا يتجزأ من عملية تكوين رشدية جديدة, أو, على العكس, إذا لم يكن جزءا من عملية تبيين المسافة والاختلاف بين عالمنا وعالم التراث. (الرشدية الجديدة) كانت مرتسمة في أفق المناظرة التي جرت في أوائل القرن الماضي بين فرح أنطون ومحمد عبده. ولكنها لم تتكون حتى اليوم, رغم دعوة الجابري وأنصاره وغيرهم إلى بعث الروح الرشدية. وهذا يطرح علامة استفهام كبيرة حول عملية الحوار مع التراث الفلسفي العربي الإسلامي كله, وليس فقط مع التراث الرشدي.

          إنك تعلم, دون شك , موقفي في هذه المسألة. فالتراث بالنسبة لي, هو تاريخ الفلسفة كله, وليس التراث الفلسفي العربي وحده. والتعامل معه, بالحوار النقدي, خاضع لمقتضيات الحياة والبحث عن الحقيقة, وليس العكس. وبناء عليه لا أستبعد بصورة مسبقة الحوار مع أي عصر من عصور الفلسفة في تاريخها العالمي, وعندما أدخل في حوار مع هذا الفيلسوف أو ذاك, فإني أبذل ما في استطاعتي من جهد حتى أتفهم أسئلته وأجوبته وأفكر فيها بهدف البحث عن أجوبة لأسئلتي. وعلى هذا النحو, أحاول دوما أن أمنع إعجابي بالعمارات الفلسفية الشاهقة والبديعة التي أنتجها تاريخ الفلسفة الحديث والمعاصر في الغرب من التحوّل إلى انبهار وانسحاق أمامها. وفي الحقيقة, هذا هو الشرط الذي تأكد عندي منذ عقود ثلاثة ونيّف لإقامة حوار حقيقي, حوار مثمر ومفيد, مع تلك العمارات.

          بعبارة أخرى, لا أعتقد أنه يمكن إقامة حوار مع تيارات الفلسفة الغربية, الحديثة والمعاصرة, على أساس موقف الدفاع عن خصوصية معادية لها (وللحضارة الغربية إجمالا), ولا على أساس موقف التبعية والاندماج فيها والتماهي التام معها (مع العلم أن الحوار جزء لا يتجزأ من عملية تطورها وتناميها). وإذا كنت تلاحظ غيابا للحوار الفلسفي في بلادنا مع الناتج الفلسفي الغربي, على تنوعه الهائل, فإنه يرجع في نظري إلى أحد هذين الموقفين.

          وبعد, ينبغي ألا ننسى أن الحوار الحقيقي, المتعمّق والخلاّق, مع الفلسفة الغربية من موقع النمو الحالي للثقافة العربية أمر عسير جدا ومرهق جدا. فلا يقوى عليه إلا الأقلّون من أصحاب العقول المتفوقة والهمم العالية. وينبغي ألا ننسى أيضا أن الناس إجمالا لا يميلون إلى تفضيل الكد والتعب على السهولة والراحة.

          ولكن إذا أخذنا التاريخ بجديّة, ينبغي لنا الاعتراف بأنه لا يوجد أمامنا حلول سهلة لمشكلاتنا, ومنها مشكلة التفلسف والحوار الفلسفي. التحديات الهائلة تفرض نفسها علينا من كل صوب وناحية. ولا يفيدنا, للتصدي لها ومعالجتها, الانكفاء على الاعتقاد القائل إن تراثنا الديني يتضمن حلولا لكل المشكلات المعاصرة. فهذا الاعتقاد, الساقط عمليا إلا حيث تفرضه القوة القاهرة, يمنع العقل الفلسفي من التحرك باستقلالية وحرية في مجالات البحث المتنامي في ميادين الكون والحياة والعمل بحسب متطلبات عصرنا ومكتسبات الحضارة. ومتى منع العقل, ولاسيما العقل الفلسفي, من التحرك باستقلالية وحرية لمواجهة المشكلات وحلها, فإن المشكلات تتفاقم وتقضي علينا بدلا من أن نقضي عليها.

          إني أفهم تماما أن يأخذ الفكر الفلسفي في الاعتبار مبدأ الخصوصية, وأقبل إلى حد معين أن يجري الحوار الفلسفي في إطار خصوصيات معينة. ولكن المبدأ الأول المحرك لهذا الفكر ينبغي أن يظل مبدأ الكونية. وإلا, فإننا سنتراجع من خصوصية إلى خصوصية, من خصوصية إسلامية إلى خصوصية عربية, ومن خصوصية عربية إلى خصوصية قطرية (لبنانية أو مصرية أو مغربية أو تونسية. إلخ), ومن خصوصية قطرية إلى خصوصية شخصية. وعند هذا الحد, تنتفي الحاجة إلى الحوار أصلا, ولعل تخوفك من وصولنا إلى مثل هذه النتيجة هو ما دفعك إلى رفع الصوت قبل فوات الأوان.

 ناصيف نصار