Arabic symbol

 

 

 

 

فلاسفة العرب

  2008-10-18 جريدة البيان الإماراتية
  التراث والمنهج بين أركون والجابري
   
 
تقدّم الباحثة اللبنانية د.نايلة أبي نادر في كتابها «التراث والمنهج بين أركون والجابري» دراسة مقارنة بين علمين فكريين كبيرين شاع صيتهما في العقدين الأخيرين، وذلك من خلال مشروعيهما التراثيين اللذين عنيا بالتراث العربي الإسلامي والكشف عن آليات اشتغال العقل المنتج لهذا التراث، وتبيان مواضع الخلل، وإبراز مكامن القوّة والإبداع فيه.

 
وقد آثرت د. أبي نادر حصر دراساتها على مصطلحي «التراث والمنهج» باعتبارهما الرابط الأساسي الذي يجمع بين المفكّرين من جهة، ويفرّق بينما من جهة ثانية، فعلى صعيد التراث رأت الباحثة أن محمد أركون لم يضع حدّاً يؤطّر عمله داخله، إذ اعتبر كلّ ما أنتجه العقل العربي ـ الإسلامي، شفهياً أو كتابياً، فلسفياً أو دينياً، يجب التوقّف عنده والبحث في أسسه، مع الانتباه إلى المسكوت عنه واللامفكر فيه.

 
بينما يتحدد مشروع الجابري بالثقافة العالمة وبالعقل العربي وحده، بما أنتجه في إطار البيان والعرفان والبرهان.

 
أما على صعيد المنهج، فإنها رأت أن الاختلاف بينهما واضح، فبينما هو يتبلور تباعاً عند أركون، نجده عند الجابري وكأن الخطوط العريضة فيه قد رُسمت مسبقاً والنتيجة حُدّدت سلفاً، لأن الهدف واضح في ذهن المؤلّف منذ البداية. الأمر الذي يعني وكأن النتائج واضحة المعالم لدى الجابري، بينما تبقى ملتبسة ومستورة لدى أركون، حيث يمكن للقارئ استشفافها تباعاً مع تقدّم البحث وتطوّر مراحله.

 
وعلى صعيد آخر ترى المؤلفة أن أركون متمرّس في مناهج علوم الإنسان والمجتمع واللغة التي تبلورت مؤخّراً في الغرب، مع محاولة الاستفادة منها إلى أبعد الحدود، وخصوصاً الأنتروبولوجيا والسيميائيات واللسانيات، بينما يتبنى الجابري المنهج الإبستمولوجي بغية التمكّن من تفكيك بنى العقل العربي والكشف عن مكوّناته، وبالتالي لم يشأ الدخول في مضمار العلوم الإنسانية والمجتمع التي لم تحصر عملها بالعقل والعقلانية.

 
والمثير في هذه المقارنة النقدية برأي الباحثة، أن ما يضعه أركون في خانة الارتقاء والإبداع والخروج من الأطر الضيّقة، يصفه الجابري بالظلامية والتخلّف والانصياع إلى أحكام اللاعقل.

 
وإن ما يسمّيه أركون بـ «المخيّلة الإبداعية العرفانية» وما نتج عنها من خطاب مميّز أفرز معجماً لغوياً وتقنياً خاصّاً، سوف يحطّ الجابري من شأنه ويضعه في إطار »العقل المستقيل« الذي تخلّى عن مهامه خاضعاً لألاعيب الرمز والخيال والمجاز.

 
كما أن ما يصوّره أركون تجلياً للأنسية العربية في القرن الرابع الهجري، وللعقلانية المعبّرة عن عطش الروح للمعرفة والفهم مع السجستاني ومسكويه والتوحيدي والعامري وغيرهم، يعتبره الجابري انتقاصاً من مستوى التفكير العقلي والتجريد الفلسفي لصالح المقابسات والأدبيات الشائعة. وبالتالي فإن هذا التدهور في الإنتاج الفكري قد أوقفه لاحقاً مفكرو المغرب العربي من مثل ابن رشد وابن خلدون.

 
وترى الباحثة أن صعوبات جمّة واجهت المفكّر أركون، والصعوبة الكبرى تكمن في كيفية تحرير العقل الإسلامي من القيود التي فرضها أهل التقليد والجمود على النصّ وعلى مجمل الدراسات الفكرية، وخصوصاً العقل الدوغمائي المعادي للتفكير والإبداع.

 
وفي الوقت نفسه ستكشف لقارئها توق محمد أركون للانفتاح على العالم، ورغبته العارمة في إدخال المجتمعات الإسلامية المعاصرة في صلب المسيرة الحضارية من خلال تفكيك أثر الدين الثقافي والنفسي والسياسي والأخلاقي في هذه المجتمعات.

 
وتطرّقت الباحثة إلى مقوّمات منهج الجابري التي تنهض على عملية الفصل والوصل، بمعنى أنه لكي نكون معاصرين، لابدّ من عقلنة التراث وجعله مقروءاً ومعاصراً لنا، وبمعنى آخر، إعادة ترتيبه في سياقه التاريخي، لكي يصار إلى إدخاله التاريخ، فيدخل العرب معه في التاريخ.

 
ثمّ تستعرض الباحثة مفاهيم الجابري النقدية، كالقطيعة الإبستمولوجية، والقراءة الموضوعية وغيرهما، لتؤكّد أن الجابري دعا إلى تبيئة المفاهيم للاستفادة منها في نقد التراث.

 
وبالتالي فإن القطيعة الإبستمولوجية لدى الجابري ترتكز على المفهوم الباشلاري الذي ينصّ على أن المفاهيم بالرغم من أهميتها في زمانها، إلاّ أنها تُستنفد كاملاً، فتحدث أزمة علمية لا تحلّها إلاّ مفاهيم جديدة، إلاّ أن الجابري سوف يستخدم هذا المفهوم استخداماً إجرائياً في مجال تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية، باعتبارها قراءات مستقلة متوازية للفلسفة الإغريقية.

 
أما القراءة الموضوعية، فهي تتلخّص في فصل الذات عن الموضوع، وفصل الموضوع عن الذات، بمعنى تحرير الذات من هيمنة النصّ التراثي: وذلك من خلال إخضاعه لعملية تشريح دقيقة تحوّله إلى موضوع لهذه الذات، أو إلى مادة مقروءة، ثمّ تأتي المعالجة البنيوية لتربط بين فكر صاحب النصّ بمجاله التاريخي.

 
ثمّ تقيم الباحثة مقارنتها بين المفكرين، لتختم دراستها بخاتمة حول الحداثة على اعتبار أن كلا المفكرين جعلا منها هدفاً منشوداً له.

 
الكتاب : التراث والمنهج بين أركون والجابري

 
تأليف: د. نايلة أبي نادر

 
الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت 2008

 
الصفحات : 590 صفحة

 
القطع: الكبير

 
عزت عمر
 

 
 
بحث مخصص