Culture Magazine Monday  09/04/2007 G Issue 194
الملف
الأثنين 21 ,ربيع الاول 1428   العدد  194
 
 

المسيري وأشكلة المفاهيم
د. سعد البازعي

 

 

لا أعتقد أن باحثاً مفكراً مثل عبد الوهاب المسيري يحتاج إلى من يعرف بأعماله أو يشيد بها، فقد حقق الرجل من الشهرة والمكانة والتقدير ما هو جدير به وغني به أيضاً عن المزيد من عبارات المديح أو التوضيح. ما قد يحتاج إليه هو مزيد من الفهم لما يطرحه وهذا إن تحقق من خلال المقالات الشارحة فإن تحققه يقل في تقديري عن تحققه من خلال القراءات النقدية التي تساءل أعماله فتحقق لها شيئاً غير السير على منوالها واستنساخ أطروحاتها. وأحسب أن الباحث أياً كان يحتاج الاثنين معاً: من يتتبع خطاه ويترسم هدى فكره ورؤاه فيزيد من انتشارها ويضاعف من تأثيرها، ومن يتناول تلك الأفكار والرؤى بالنقد الذي يطمح إلى نقل تلك الأفكار إلى حيز آخر تضطر معه تلك الأفكار والرؤى أو ما سأسميه الأطروحات إلى الدفاع عن نفسها وتبرير أهميتها فتكشف عن قيم أخرى أو تتنازل عن بعض ما أعطاها الأتباع.

في منتصف الثمانينات الميلادية وجدت نفسي، وكنت شاباً حديث التخرج، أجلس إلى جوار عبد الوهاب المسيري زميلاً في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الملك سعود بالرياض، على النحو الذي سبق لي أن ذكرته في مكان آخر. وما زلت أذكر الأثر المهم الذي تركه لدي نقده للحضارة الغربية، النقد الذي أعده من أهم، إن لم يكن أهم، ما قدم المسيري للفكر العربي المعاصر. وبالطبع فإن أهمية ذلك النقد ليست في كونه نقداً، فما أكثر نقاد الحضارة الغربية أو الغرب عموماً ولكن ما أقل أثر نقدهم، فكثير مما نقرأ من نقد يأتي على خلاف ما نجد لدى المسيري. إنه في الغالب نقد تقليدي وشديد التأدلج. ما قدمه المسيري لقراء كثيرين في تلك الفترة التي أعقبت انضمامه لهيئات التدريس في جامعتي الكويت والملك سعود، شيء مختلف، كان نقداً على مستوى أكثر تركيبية وعمقاً. وكان

ذلك في البدء على شكل ترجمات لكتب غربية تمارس النقد الذي سيتبنى هو مهمة تطويره. ولعل في طليعة ما ترجم المسيري حينئذٍ كتاب المؤرخ الأمريكي كيفن رايلي (تاريخ الغرب) الذي نشر في جزأين ضمن سلسلة عالم المعرفة الكويتية. وواضح لمن يعرف ذلك الكتاب وبعض أطروحات المسيري الأساسية أن بينهما شبهاً واضحاً، فقد أفاد المفكر العربي من المؤرخ والمفكر الأمريكي كثيراً، لاسيما في إبراز الأخير لمآزق الحضارة الغربية وأخطائها الكبرى تجاه الإنسانية على نحو سيدهش المتغنين بحمدها أو الذين لا يرون غير تلك المحامد.

في أعماله التالية استطاع المسيري، كما ألمحت، أن يتجاوز تلك المرحلة ويضيف نقداً إلى نقد رايلي، وأن يقدم أطروحات في غاية الأهمية لعلم الاجتماع، ولعل مفهومه (الجماعات الوظيفية) يأتي في طليعة تلك الأطروحات/ الإضافات. فمن خلال ذلك المفهوم استطاع المسيري أن يقدم لدارسي علم الاجتماع مفهوماً يساعد على تفسير دور جماعات مثل اليهود في كيانات مجتمعية ضخمة، من حيث أن اليهود قاموا بأدوار ثانوية يرفضها المجتمع المحيط ولكنها ضرورية، مثل الإقراض. ويفتح الحديث عن هذا المفهوم الدور الكبير الذي قام به المسيري في تطوير الدراسات اليهودية أو الدراسات المتصلة باليهود والصهيونية وعلاقة هذه بالتشكيل الحضاري الغربي على مستويات مختلفة. ولعل هذا الجانب هو الأشهر بين أعمال المسيري، لاسيما موسوعته الكبيرة ودراساته العديدة للصهيونية وما يتصل بها.

ويتصل بهذا دراسته المعمقة للعلمانية التي أدخل إلى البحث فيها إضافة هي في غاية الأهمية

حين أعاد تعريف العلمانية من زاوية تكسر الأحادية التي طالما نظر إليها من خلالها. فالعلمانية لديه يمكن النظر إليها من زاويتين، أو ينبغي أن تقسم إلى مستويين. في أحد المستويين هي علمانية جزئية وفي الأخرى شاملة. النظر إليها بوصفها فصلاً للدين عن الدولة تغفل عن المستوى الآخر والمهم، وهو أنها سعي إلى إزالة القداسة أو إلغاء الدين والقدسية عن العالم. ويعني هذا أن المعنى الشائع، أي العلمانية بوصفها فصلاً للدين عن الدولة ليس خطأ تماماً، لأنه ينضوي تحت مظلة العلمانية الجزئية التي تتجاوز بدورها ذلك المعنى. فالذين يحولون العلمانية إلى تهمة ينطلقون غالباً من هذا الفهم الثاني الذي تبدو فيه العلمانية خطراً من حيث هي تفصل الدين عن الدولة أو عن القوانين، فيما يرى المسيري أن العلمانية الجزئية هي قدر لا مناص منه لكي تستقيم الحياة، فثمة ما تقتضيه الحياة الدنيا مما لا يتعارض مع الدين ولكنه لا يتصل بالضرورة به أو يستمد منه.

على أن المفاهيم التي يعيد المسيري تحليلها بالحث على إعادة النظر تقوم على مبدأ نظري مهم بحد ذاته، بل هو ركن أساس. ذلك هو

قوله إن قيمة المفاهيم قيمة نسبية، أي أنها في مقدار ما تحمله من تفسير لتلك الظواهر التي تتصدى لها، أي في معدل (تفسيريتها)، بمعنى أنها تظل دائماً مفاهيم نسبية. فليس ثمة مفهوم قادر على تفسير كل الظاهرة بالإحاطة بكل جوانبها. فالرومانسية مثلاً مفهوم يفترض فيه أن يفسر ظاهرة تتمل في التغير العميق والشامل الذي أصاب الحياة الثقافية والإبداعية والاجتماعية، أي أن المفهوم يحاول الإحاطة بتلك الظاهرة، لكن لا يستطيع ذلك لأنه يظل مكبلاً بمحدوديته اللغوية ومحاطاً بتفلت الظاهرة نفسها وتعدديتها، بل وبتناقضاتها أحياناً على النحو الذي لا يستطيع المفهوم الواحد أن يحيط به. غير أن مفهوم الرومانسية يظل مهماً لأنه يحمل قدراً لا بأس به من القدرة على تفسير الظاهرة.

أشير إلى هذه المسألة لأنها تمهد لتوجيه ملاحظات نقدية لبعض أطروحات المسيري نفسها. وهذه الملاحظات سأحصرها هنا في قراءة المسيري لعلاقة الجماعات اليهودية بالحضارة الغربية. فمن يقرأ أعمال المسيري، لاسيما المتأخرة منها، والتي تشمل مداخل موسوعته (اليهود واليهودية والصهيونية) وكذلك دراسته للعلمانية، سيلاحظ أنه يسعى من خلالها إلى تطوير منظومة نظرية كبرى تستطيع تفسير الظواهر المختلفة للحضارة المعاصرة، أي أنه يسعى إلى ما يسعى إليه كل المفكرين الكبار، وهو بالطبع سعي مشروع لكن مشكلته هي في أنه سعي معرض للجزم بشموليته أو قدرته على تفسير كامل الظواهر بعيداً عن النسبية التي يطالب بها في مواضع أخرى، فهو وإن لم يلغ تلك النسبية تماماً فإنه يضعفها أو يهمشها إلى درجة تكاد معها أن تتلاشى ليتحول

النسبي إلى مطلق وتكتسب النظرية بعداً كاسحاً في سعيه للعمومية التي يترتب عليها كما يرى البعض مدى أهمية الطرح في نهاية المطاف. فهناك من سيرى في النظرية محدودية وضعفاً إن هي أكثرت من الاستثناء وزادت من معدل الوعي بنسبيتها.

ما يستوقفني هو بالتحديد قراءة المسيري لعلاقة مفكرين يهود أو من أصل يهودي - من الناحية الإثنية لا من الناحية الدينية - وتأكيده أن دور يهوديتهم محدود في تشكيل فكرهم. المشكلة التي أجدها هنا هي في مقدار التعميم في ما يشير إليه المسيري، حين يتعامل مع المفكرين كما لو كان يتعامل مع الجماعات اليهودية على المستوى الاجتماعي، ففرويد مثلاً لا تربطه بخلفيته اليهودية، حسب ما يرى المسيري، رابطة قوية تجعل تلك اليهودية قادرة على تفسير أو فهم أعمال فرويد. وهذا في تقديره يصدق على أعضاء مدرسة فرانكفورت من اليهود وعلى شعراء وأدباء كثيرين. كل أولئك ينضوون تحت قراءة واحدة لا ترى اختلافاً بين هذا وذاك، بمعنى أن التحليل يتكئ على ما يجد أنه بنية ضخمة تشمل كل أولئك، وهو ما يتعارض، في تقديري، مع كثير من التفاصيل التي تغيب عن تحليل المسيري، التفاصيل التي استوقفتني وسعيت إلى إبرازها وقراءة بعض أولئك المفكرين والكتاب من خلالها في كتابي الصادر مؤخراً بعنوان (المكون اليهودي في الحضارة الغربية) (المركز الثقافي العربي، 2007). ففي تلك التفاصيل ما يضطر الباحث للقيام بقراءات مختلفة والوصول إلى نتائج مختلفة أيضاً، الأمر الذي يجعل من الضروري تبني مقولات تفسيرية متفاوتة تحاول أن تستوعب الاختلافات الكبيرة بين مفكر أو كاتب وآخر. غير أن هذا القدر من التعميم والاختزال لا يجرد قراءات المسيري من القيمة، بل هي بالعكس منطلقات أساسية للقارئ الذي يسعى إلى فهم أفضل لأعمال مجموعة من المفكرين والكتاب.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة