الثورات العربية... وسؤال النهضة حوار مع الدكتور سمير أبوزيد (الجزء الأول)

5/4/2012

توطئة:
قدم رواد النهضة في القرن التاسع عشر مجهودات متنوعة ومتعددة في التعامل مع المشكلة الحضارية والإجابة عليها، وكان ذلك نتيجة وعي بالوضع الكارثي الذي آل إليه العالم الإسلامي، لكنهم اختلفوا في تصوراتهم حول تحقيق صحوة العالم الإسلامي. فرأى جمال الدين الأفغاني أن السبيل إلى ذلك هو في إقامة ''الجامعة الإسلامية'' قاصدا تلك "الرابطة التي تربط بين المسلمين في مختلف الأقطار من فرس وترك وعرب" وكانت طريقته لذلك قوية عنيفة، إذ كان يريد الثورة على الملوك والأمراء في الداخل، وإشعال نار الشعوب ضد الخارج، أما الشيخ محمد عبده فكان في ذلك هيناً ليناً يريد الجامعة الإسلامية عن طريق التربية والتعليم، في حين كان عبد الرحمن الكواكبي أقرب إلى جمال الدين الأفغاني، وكان أشد في محاربة الأمراء، وألف في ذلك كتاب (طبائع الاستبداد)، كما "ألف أم القرى لرسم خطة الجامعة الإسلامية".
إن القارئ الفاحص اليوم، يتوقف عند رجوعه إلى نصوص رواد النهضة الأولى على الجهد الفكري المبذول من قِـبَلهم لمواجهة الأوضاع الحضارية السائدة عندئذ، ويتوقف أيضا عند اتساع أثر ذلك الجهد في التحولات التي أمكن تحقيقها عربيا في وقت وجيز نسبيّا. لكن أكثر ما يلفت النظر عند مراجعة تلك النصوص هو احتفاظها براهنية عز نظيرها . فقد وعى الفكر النهضوي الحديث تعقد أسباب تخلف المسلمين وتقاطع مرجعياتها، ونظر إلى عناصر ثلاثة في معالجة هذه الأسباب: قراءة الأصول وتأويل التراث ونقد الحداثة. وكما حاولت بعض الاتجاهات إحياء المناهج التراثية في رؤية هذه المحاور الثلاثة، حاولت أخرى التجديد في منهج بناء الذات الإسلامية المعاصرة من خلال منهج إسلامية المعرفة أو المنهج الحضاري أو المنهج الموضوعي أو السياسي .
وفي وقت مبكر، نبه الكواكبي في كتابه الشهير "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" إلى أنه "يلزم أولا تنبيه حس الأمة بآلام الاستبداد، ثم يلزم حملها على البحث في القواعد الأساسية للسياسة المناسبة لها بحيث يشغل ذلك أفكار كل طبقاتها". لم ينشغل الكواكبي كثيرا بالمنظومة الثقافية التي تنتج المستبد، بل توجه ناقدا إلى هذه الآلة الاستبدادية، وهي تفعل فعلها العجيب في امتهان المحكومين وتحويلهم إلى قطيع، يجب أن يسمع، وأن يمتثل لأوامر المستبد والذي -حسب الكواكبي- "يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتّداعي لمطالبته".
لقد أعادت الثورات العربية ثقة العرب بأنفسهم أفراداً وشعوباً، ونسخت مقولة الخضوع العربي للاستبداد، وأحيت روح الكواكبي ونصائحه في مطلع القرن العشرين، فهذه الثورات المشرقة مرتبطة برؤية معينة للعالم، ولا تنفك عن تجليات ذلك في الاجتماع السياسي، فواقع الناس تصوغه أفكارهم عن الكون الحياة وفلسفة الوجود، حتى وإن لم يفلحوا في التعبير عن ذلك بمصطلحات فلسفية أو خطابات فكرية معقدة.
إن الثورة في بعدها النهضوي تكريس للقيم المثالية التي تعد أفقا يحرك تاريخ الوعي والفعل البشريين نحوهما. إنها ترسيخ لإنسانية الكائن الإنساني وكرامته، بوصفه كائنا واعيا وحرا وأخلاقيا، وفاعلا متحررا تنغرس فيه قيمة الحرية وما يرتبط بها من عدالة وانعتاق من الجبر الفكري والسياسي. ومن ثمة، فلا نهضة للفرد ولا للاجتماع الإنساني إلا بالتحرر من عائق الاستبداد بمدلوله الشامل، سواء كان استبدادا ثقافيا أو سياسيا أو اقتصاديا. وهذا هو القيد المستحكم لحركة النهضة والتحرر، والذي قامت الثورات العربية بتفكيكه. فليست فكرة الثورية الجديدة في عمقها الحضاري البنائي سوى حركة تحرير لطاقات الإنسان العربي والمسلم الإبداعية حتى يستعيد دورته الإيجابية داخل الحضارة وتنتقل به من إنسان الحقوق فقط إلى كائن يقدس الحقوق والواجبات معا.
يتجاوز العرب العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين، حاملين معهم إخفاقات تمتد أكثر من مائة عام لنهضة لم تتحقق، فيما بقيت طوال قرن فائت أسئلة النهضويين الأوائل حول رفع الاستبداد وتحقيق والحرية والتقدم معلقة... لماذا تأخّرنا وتقدّم غيرنا؟!.. ظل هذا على رأس تساؤلات "النهضة" التي اعتمدت على تنظير النخبة منذ أواخر القرن التاسع عشر وإلى انبلاج فجر "الربيع العربي" في تونس ومصر من بعدها.. وشقيقات عرب أخريات في الطريق إلى اكتمال ربيعها. كما لم يعد لهذا السؤال ذات الزخم الذي كان عليه بعد "صدمة نابليون" التي انطلقت من القاهرة ليصيب الشام وشمال غرب إفريقية حظ منها.. بعد أن ثارت الشعوب العربية في أكثر من بلد، ضد "الظلم" وطلبًا لـ"العدل".. رغبة فطرية لا تستقيم الحياة إلاّ بها ولا تُقام الدول إلاّ على دعائمها.. ولعل مسوّغات "التخلّف" التي أصّل لها المثقفون العرب الذين اعتقدوا الكمال في النموذج الغربي على مدى المائة عام الماضية، لم تعد هي ذات المسوّغات؛ إذ بدت الأسباب الحقيقية مطمورة خلف شعارات الثورة، حيث غابت لافتات "المطالب الاجتماعية" وحلّت محلها "المطالب السياسية"، وعلى رأسها "العدل" وإسقاط "دولة الظلم".. باعتبار أن ذلك هو بداية الفتح العربي الجديد نحو التألّق الحضاري والإنساني واحترام العالم للمواطن العربي.
يستضيف مركز (نماء) في هذا الحوار الدكتور سمير أبوزيد، أحد أبرز الفلاسفة العرب المتميزين بخطابهم المعرفي ورؤيتهم العلمية خصوصا فلسفة العلم وفلسفة الحضارة، كما أن اهتماماته النهضوية جعلته من أبرز المحترفين بشروط الاستنهاض العرب والمسلمين وأحد المهمومين بسؤال استئناف إشعاع الحضارة العربية-الإسلامية، وهو أيضا عضو الجمعية الفلسفية المصرية منذ عام 1990، و مؤسس ومدير موقع فلاسفة العرب، كما أحرز الدكتور سمير على جائزة "أهم كتاب عربي" عن كتاب "العلم والنظرة العربية إلى العالم" المقدمة من "مؤسسة الفكر العربي"، سنة 2010م . كما له كتاب "الثورات الشعبية العربية وتحديات إنشاء الدولة الحديثة" قيد الطبع خلال سنة 2011م. وذلك بهدف تحليل الثورات العربية في سياق منهج التفكير الكلي بوصفه مقاربة تكاملية تتعارض مع التجزيئية مستحضرين عند التفكير النهضوي الصورة بكل أبعادها وامتداداتها. كما إن الهدف هو تقديم مراجعة نقدية لفكر النهضة على ضوء ما استجد من تحولات وثورات وانتفاضات، مراجعة لا تستنسخ الواقع، بل تستشرف المستقبل مستندة إلى وعي وتقييم وتحليل نقدي للمستجدات والمتغيرات وإسقاطاتهما المباشرة وغير المباشرة على الفكر.

دكتور سمير أبوزيد، ألا ترى ضرورة أن ينطلق مشروع تجديد النهضة العربية، من تشخيص هذا الواقع الجديد، وأن يعيد دعاة المشروع تركيب بنيته النظرية انطلاقاً من المعطيات الجديدة المستلهمة من الحراك الشعبي، الذي مرت به المنطقة العربية؟

بطبيعة الحال للتطورات الدرامية الحالية في كل البلدان العربية أثر كبير على مراجعة تصوراتنا لمشروع النهضة العربية وتجديده مع بدايات القرن الحالي التي تشهد أيضا تحولات جذرية على مستوى الفكر الإنساني. ولكن التشخيص الصحيح يجب أن يقوم على أساس إعادة تقييم المرحلة السابقة بكاملها التي بدأت مع بدايات القرن التاسع عشر الميلادي وانتهت عمليا مع بدايات القرن الواحد والعشرين الميلادي.

من وجهة نظركم، لماذا أخفقت النهضة العربية الإسلامية المعاصرة في تحقيق طموحات وتطلعات الأمة؟ وهل يمكن اعتبار الثورات العربية استعادة للحلم الإصلاحي أوائل القرن التاسع عشر؟

من أجل الرد على هذا السؤال يجب أن يكون واضحا في أذهاننا كيف تكون مراحل النهضة في أي مجتمع إنساني. باختصار هي تمر بمراحل ثلاث:
الأولى: هي التوفيقية بمعنى الأخذ عن الحضارة الأخرى ومحاولة التوفيق بينها وبين فكر الذات.
الثانية: هي النقد، بمعنى النقد الجذري للذات من أجل الكشف عن جوانب عدم الاتساق بين فكر الذات وبين الواقع الحالي.
والثالثة: هي طرح التصورات النظرية اللازمة لمعالجة مشكلة عدم الاتساق وبالتالي تقديم فكر إبداعي جديد يرتكز نظريا على الذات الحضارية وعلى الآخر المعاصر بدون تقليد أي منهما.
وما نسميه اليوم بالثورات العربية أو بالربيع العربي ليس إلا تعبيرا عن انتهاء المرحلتين الأولى والثانية ووجوب الدخول بقوة في المرحلة الثالثة وطرح التصورات الإبداعية اللازمة لتحقيق النهضة.
وفي هذا السياق فإن تقييم المرحلتين السابقتين للنهضة العربية الحديثة ليس سلبيا وإنما إيجابيا (سواء على مستوى الإنجاز أو الفترة الزمنية)، وذلك إذا وضعنا في اعتبارنا خصوصية فكر النهضة العربية في الحفاظ على تميز نظرته إلى العالم في مواجهة النظرة الغربية الحديثة التي اكتسحت كل العالم تقريبا وأوصلته إلى ما هو معروف "بأزمة الحداثة".

مع اندلاع الثورات العربية، بدأ يسود خطاب جديد هو أقرب إلى ترديد المقولات التي كتب عنها الكواكبي في طبائع الاستبداد، أو الأفغاني في مواجهة مشاريع التجزئة، في نظركم ما هي أهم المقولات المحورية التي يمكن استلهامها في هذه المرحلة، وما هي الأفكار التي ترون أنها لا تزال لها نجاعة تفسيرية وصالحة للتأسيس عليها وتطويرها في أفق المرحلة القادمة؟

الكواكبي والأفغاني ينتميان إلى المرحلة الأولى من فكر النهضة العربية (أو النهضة العربية/الإسلامية) الحديثة وهي المرحلة التوفيقية. وقد نجح كليهما في لفت الانتباه إلى قيمة "الحرية" (للفرد والمجتمع) الغربية آنذاك وأهمية دمجها في الفكر السياسي العربي/الإسلامي والذي يخلو (لأسباب تخص طبيعة نشأة وتطور الدولة الإسلامية القديمة ليس هنا مجال تفصيلها) من تصورات نظرية لها. وقد حققت جهودهما مع آخرين أثرا واضحا في التطور السياسي العربي سواء في مصر أثناء ثورة عرابي وما بعدها أو حتى في المناطق العربية الأخرى التي وقعت تدريجيا تحت الاحتلال.
أما الآن، فنحن في حاجة إلى نظرية عربية/إسلامية "للحرية" تستفيد من التقدم الإنساني الغربي (وهو هنا النظرية الليبرالية) ومن النظرة الحضارية العربية الإسلامية (وهي هنا القيم المجتمعية). إذا نجحنا في تقديم مثل هذه النظرية فسوف يمكن للمجتمعات العربية المعاصرة أن تقطف ثمار ثوراتها من حيث قيام دول عربية حديثة تضمن الحرية والفردية (أي مواكبة العصر) والقيم المجتمعية (أي الحفاظ على الذات) في ذات الوقت، وهذا أمر ليس سهلا على الإطلاق، ويتطلب تركيز الجهود نحوه. بخلاف ذلك سوف يستمر ما يحدث حاليا في مصر وتونس (وسوف يحدث في باقي الدول العربية إذا سارت في نفس المسار) من تجاذب مستمر بين وعي النخبة المنتمية لفكر الحداثة (الذي يهدف لمواكبة العصر) واللاوعي المجتمعي (الذي يهدف للمحافظة على الذات).

عالجتم في كتابكم:"العلم وشروط النهضة"خصوصا في فصل "البنية المجتمعية للمعرفة العلمية"، أهمية الارتباط بين العلم والمجتمع، وأن العلم يمثل نشاطا مجتمعيا "عبر مؤسسي". وعرضتم الاتجاهات الحديثة التي تطرح العلم ليس باعتباره نشاطا محايدا، وإنما باعتباره تعبيرا عن نظرة معينة للعالم ولثقافة معينة. وأبرزتم كيف يؤثر المجتمع على العلم؟ وكيف يؤثر العلم على المجتمع؟ ووظيفة العلم في المجتمع والتي يمكن أن تختلف بحسب اختلاف الثقافات. حيث أكدتم على أن الهدف النهائي هو إثبات أنه لا يمكن أن تتحقق النهضة إلا باعتبارها نهضة علمية. هل بدأنا ندخل عصر النهضة سؤال آخر يف

هناك زاوية أخرى للنظر إلى مشكلة النهضة، وهي زاوية التطور الحضاري. فطبقا لأزوالد إشبنجلر نقلا عن عبد الرحمن بدوي"تمر الحضارة بمسار دائري مقفل: يبدأ الفكر من العقيدة الدينية، ثم يتحرر العقل على صورة فلسفة، ثم يتطور على هيئة علم تجريبي، ثم يصبح عقلا عمليا يعنى بالآلية (التكنيك).
طبقا لذلك فنحن الآن في مرحلة التحرر من سيطرة الفكر الديني (التقليد) ومحاولة طرح تصورات فلسفية. وهذه يجب أن تترافق معها بدايات التفكير العلمي، ليس من خلال تقليد العلم الغربي الحديث، وإنما من خلال طرح تفكير علمي متسق مع نظرتنا إلى العالم باعتباره مشاركة فاعلة في الفكر العلمي الإنساني المعاصر (وتوجد هنا تفصيلات كثيرة عن طبيعة العلم لا يمكن معالجتها في هذا الحيز).
والخلاصة هي أن دخول الفكر العربي المعاصر مرحلة التفكير العلمي هو شرط لازم لاستمرار مسيرة التطور الحضاري ونجاح مشروع النهضة، مثله في ذلك مثل شرط ظهور تفكير سياسي مجتمعي متسق مع نظرته إلى العالم. ومن أجل ضمان تحقيق هذا الاتساق يلزم منطقيا إعادة صياغة وتأسيس النظرة العربية إلى العالم في اللاوعي المجتمعي العربي.

تعد النهضة وعي بالذات، فتلك مقدمة لكل ذات تريد لنفسها أن تتحرك وتبعث قدراتها الذاتية، وتحفزها على الفعل. ونقصد بوعي الذات إدراك الشخصية الحضارية ومقوماتها، والعمل على تعميق الإحساس بالهوية، لكن مع الاحتراس من الوقوع في محاذير الانغلاق. وتأسيسا على ذلك يتحدث بعض المفكرين على أنه لا نهضة للعالم الإسلامي خارج شرط وعيه بذاته، أي خارج مقوماته الحضارية الذاتية. ومن ناحية أخرى، اهتمت أعمالك العلمية بموضوع الاتساق، هل يمكن القول أن الثورات العربية وعيا على طريق إعادة الاتساق في النظرة العربية الإسلامية للعالم والوجود والدولة والإنسان؟

قياسا على التصورات العلمية للنفس الإنسانية يعبر المثقفون عن الشعور "الواعي" بالذات في حين يعبر عموم المجتمع عن "اللاوعي" الذاتي. انطلاقا من ذلك يمكن النظر إلى الثورات العربية على أنها تعبير عن موقف معين للاوعي المجتمعي مفاده هو وصول المرحلة الحالية إلى منتهاها وضرورة بدء مرحلة جديدة.
واللاوعي المجتمعي لا يعبر عن تصورات أو مواقف فكرية أو فلسفية معينة، وإنما يعبر عن الذات الحضارية ونظرتها إلى العالم بشكل عام ومن خلال مواقف عامة جماعية (مثل عدم التجاوب مع النظم العربية السابقة، أو الخروج للمطالبة بتغيير النظم حاليا، أو التظاهر من أجل ضمان الهوية العربية الإسلامية، الخ).

أما تحديد طريق إعادة الاتساق بين النظرة العربية إلى العالم وبين الوجود والدولة والإنسان، فهذه مهمة النخبة المثقفة التي تقوم بدور الوعي المجتمعي القادر على تقديم الحلول المحددة والتعامل مع المشكلات المباشرة. فما تعنيه "بوعي الذات الحضارية" يظهر هنا بقوة على مستوى حركة المجتمع ككل أكثر منه على مستوى النخبة المثقفة. من هنا يذكر كثيرا أن جماهير الثورة العربية قد تجاوزت النخبة المثقفة وكانت هي التي تقود المشهد.

يتحدث الدكتور جاسم سلطان في مشروعه النهضوي عن أسباب الانحطاط الحضاري للأمة ويجملها في تلاشي البنية التركيبية لهذه العوالم بمعنى فقدان الأمة لمقومات الفعل الحضاري. فهل يمكن أن نشهد بعثا جديدا لعالم الأفكار ومفاده إسهام هذه الثورات وما سيعقبها في إعادة بناء المنظومة القيمية والفكرية والمعرفية التي تشكل عقلية الشخصية المسلمة، ثم تشكيل عالم الأشخاص بما هو نسق من العلاقات الاجتماعية التي تربط بين أفراد المجتمع وتقوي أواصر الوحدة بين أبناءه، انتهاء بعالم الأشياء الذي هو دائرة الفعل الحضاري الحقيقية التي تجسد مرحلة الرشد في دورة حياة الأمة ؟ بمعنى هل

بالنسبة لي، وقد أكون مخالفا في هذا لقطاع كبير من المثقفين، المشروع الحضاري العربي الإسلامي الحديث يمر بمراحل طبيعية إذا وضعنا في الاعتبار الصراع الحضاري القائم بينه والحضارة الغربية الحديثة التي تدخل حاليا في مراحلها الأخيرة. ولولا الضغوط القوية التي مارستها هذه الحضارة، وهي في عنفوان قوتها في القرنين التاسع عشر والعشرون، لكان قد حقق نتائج أفضل بكثير مما قد حققه حتى الآن (ويمكن مراجعة أدبيات ما بعد الاستعمار "post-colonialism " للتحقق من ذلك). وبدون الوقوع في الحتمية التاريخية، فكل الظروف مهيئة الآن للإنسان العربي (الذي ينتمي للحضارة العربية الإسلامية) لتحقيق الأدوات الحضارية اللازمة (عالم الأفكار وعالم الأشخاص وعالم الأشياء). فهذا الإنسان قد اكتسب وراكم خبرات من التجربة الغربية الحديثة (قارن بين علمنا بالتجربة الغربية اليوم وبين بدايات القرن العشرين، وقارن كذلك بعدم وجود جامعة عربية واحدة في بداية القرن). كما أنه قد قطع شوطا كبيرا في نقد التراث الحضاري العربي الإسلامي (قبول الاتجاهات الإسلامية للنظام الديمقراطي هو أحد الأمثلة على ذلك). وهو الآن في مرحلة إعادة صياغة لنظرته إلى العالم تمهيدا لدخول مرحلة الإبداع الفكري والعلمي. واستمرار هذه النظرة وعدم تفككها وانحلالها تحت الضغوط الحضارية الغربية هو بدون شك أساس قوى للدخول في هذه المرحلة. والأمر الآن مرهون بمدى إيجابية النخبة المثقفة، ورغبتها في تقديم التضحيات اللازمة للدخول في مرحلة البناء بعد انتهاء مرحلة النقد.

جاءت التحولات العربية بعد اكتمال تصدع كل شرعيات "النظام العربي الحديث" الذي حكم هذه الشعوب على امتداد نصف القرن السابق في الحقبة المسماة بما بعد الاستعمار، لعبت فيها وسائل الاتصال الحديث دورا مهما في اندلاع الثورات، حيث ربطت العديد من التحاليل بين حدوث الثورات والانتشار الواسع لوسائل الإعلام "السبيرنيقي" وما يشمله من آليات للتواصل جديدة ومتطورة وذكية، كالهواتف النقالة والبريد الالكتروني، وبشكل خاص ما بات يطلق عليه "الشبكات الاجتماعية"، كالفايسبوك والتويتير وغيرهما . في رأيكم كيف يمكن أن نقيم علاقة بين التحولات التي طرأت في العالم العربي وهذه ال

اعتماد الثورات العربية على هذه التقنيات الحديثة يثبت تصورنا السابق عن التطور الحضاري العربي من زاويتين:
أولا: يثبت أن هناك تطورا حقيقيا في المجتمعات العربية نتيجة للمرور بالمراحل السابقة، فالقدرة على استخدام هذه التقنيات بهذه النجاعة التي جعلتها نموذجا على إمكانية استخدام وسائل الإعلام "السيبرنيقي" في التحولات المجتمعية الكبرى هو دليل واضح وعملي على تطور العقل العربي.
وثانيا: يثبت أن المجتمعات العربية المعاصرة، وخصوصا الشباب، تستبطن في اللاوعي نظرة حضارية معينة متميزة عن النظرة الغربية وفي نفس الوقت قادرة على استيعاب التطورات الغربية الحديثة.
وإجمالا يمكن القول بأن الاعتماد الواسع على هذه التقنيات الحديثة في الحركة الثورية هو إيذان بدخول الحضارة العربية الحديثة مرحلة العلمية وخروجها من المرحلة السابقة التي تميزت بالتفكير الإيديولوجي.

بالنسبة للجهات المنتجة لهذه التقنيات، فهي تنتمي إلى النظرة الليبرالية الغربية التي تهدف في الأساس إلى زيادة مساحة الحرية الفردية بكل الوسائل والأساليب السياسية والعلمية والتقنية. لذلك من الطبيعي أن نتوقع أن تسهم هذه التقنيات في زيادة مساحة الحرية. ولكن ما لم يكن ممكنا لهذه الجهات توقعه هو أن تستطيع مجتمعات تنتمي إلى تصورات "غير ليبرالية" مثل الحضارة العربية الإسلامية أن تستخدم مثل هذه التقنيات "الليبرالية" بهذه الكفاءة والحرفية.

التعليقات


أضافة تعليق جديد

إسم المعلق  
عنوان التعليق  
البريد الالكتروني  
نص التعليق  
أدخل كود الصورة
Captcha

تحديث الصورة