Arabic symbol

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة
فلاسفة العرب
 
بحث مخصص

أطفالنا ومستقبل اللغة العربية

مجلة العربي الكويتية

1 اكتوبر 2007

مصطفى عبد الله

 

استضافت القاهرة ورشة عمل «المجلس العربي للطفولة والتنمية»، التي خصصتها لوضع الخطوط العريضة لاستراتيجية لغة الطفل العربي وللبحث في مستقبل اللغة العربية للجيل القادم. وانعقدت الندوة لثلاثة أيام في جلسات صباحية ومسائية متواصلة، شارك فيها نخبة عربية من خبراء اللغة العربية والدراسات التربوية والاجتماعية.

من جلسات استراتيجية العمل التي ضمت الدكتور سليمان العسكري رئيس تحرير مجلتي العربي والعربي الصغير، والدكتور رشدي احمد طعيمة، أستاذ أدب الطفل بكلية التربية بجامعة المنصورة، والدكتور محمود الناقة أستاذ المناهج وطرق التدريس، والدكتور علي مدكور أستاذ الدراسات التربوية بجامعة القاهرة، والدكتور محمد حماسة وكيل كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، والدكتور طلعت منصور أستاذ الصحة النفسية بكلية التربية، والدكتور أحمد الضبيب وكيل مجلس الشورى السعودي، والدكتور عبد السلام المسدي أستاذ اللسانيات بجامعة تونس، ومصطفى عبد الله مساعد مدير تحرير جريدة الأخبار، والدكتور مصطفى عبد السميع مدير المركز القومي للبحوث التربوية، والدكتورة ليلى خلف السبعان أستاذ اللغة العربية بجامعة الكويت.

          بدأت الجلسة الأولى بكلمة المجلس العربي للطفولة والتنمية التي ألقتها مستشارته د.سهير عبد الفتاح مرحبة بضيوفه من مختلف الأقطار باعتبارهم مهمومين بأسئلة الواقع، ملتزمين بالبحث عن إجابات لأسئلة تؤمِّن مستقبل اللغة العربية ومادته الأولى.. الطفل، مشيرة إلى أن «لغة الطفل، العربي هي لغتنا القومية التي هي الأمة في تاريخها المتصل، موضحة أنه لكي يحقق المستقبل أحلامنا يجب أن يكون نطقنا بالعربية، لأننا لا نستطيع أن نحيا من دون لغتنا القومية التي تتيح لنا إمكان التواصل مع أنفسنا ومع الآخرين، ومن هنا يتحتم علينا أن نزود طفلنا العربي بلغة حية تصله بماضيه العريق، وتمكنه من بناء مستقبله الزاهر».

          كان سعيُ هذا الاجتماع إلى الاتفاق على شكل الإطار العام لاستراتيجية لغة الطفل العربي، بدقة وبشكل عملي مرحلة بعد مرحلة،مع الوضع بعين الاعتبار الظروف التي يعمل ويتحرك من خلالها المجلس، وصولاً إلى إقناع المؤسسات المختلفة المعنية بمسألة اللغة وحياتها في المستقبل بقضية لغة الطفل العربي. د.ميلود حبيبي الذي ألقى كلمة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، أوضح أن المنظمة تولي اهتمامًا كبيرًا لقضية اللغة العربية، وأضاف أن في كل دورة مالية يوجد جانب مخصص للغة العربية تدريسًا وتأليفًا وإعدادًا لمعلمها، مؤكدا أن هناك حاجة ماسة لبذل مزيد من الجهود في هذا الاتجاه، فالكل يعرف الآن أن اللغة العربية سواء في المدارس أو في وسائل الإعلام تعاني معاناة ضخمة، حتى أن مستوى الأداء اللغوي أصبح مترديًا جدًا، وهناك نقص في تكوين معلمي اللغة العربية، لذا فعلينا أن نتعاون، ولقاؤنا اليوم من دون شك يعد استجابة لهذه الحاجة الماسة. وأضاف: أود أن أؤكد أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم معكم وسترافق إعداد هذه الاستراتيجية بكل مسئولية، وبكل ما يتيسر لها من إمكانات مادية وبشرية أيضًا حتى نحقق الهدف الذي نصبو إليه جميعا. ووعد ميلود بعرض الاستراتيجيات التي سبق وأن أصدرتها المنظمة والتي يمكن أن تصبح إطارًا مرجعيًا للعمل في هذه الاستراتيجية.

الوطن هو اللغة

          في بداية الجلسة الأولى التي رأسها د.محمد حماسة عبد اللطيف أكد أن أهم مظاهر الاهتمام بهذا الوطن تتجسد في الاهتمام بلغته، ولاسيما لغة الطفل الذي يعد أملنا في المستقبل, وشدد على أن اللغة ليست ملكا للأحياء وحدهم ولا ملكا للماضي فقط، بل هي أيضا ملك للمستقبل، والإنسان في حقيقة أمره هو لغته، لأن عقله لا يكشف عنه إلا اللغة التي يستخدمها.

          ودعي د. رشدي طعيمة الذي اضطلع بالعبء الأكبر للمشروع، لكي يقوم بعرض خطوطه العامة.

          واستهل د. طعيمة عرضه بالتنويه عن المؤتمر الذي عاد لتوه من لندن بعد المشاركة فيه, وقد دار حول (توحيد الرؤية التربوية لأبناء الأقليات في المهجر ووضع تصور لمعالجة مشكلات أبنائنا في المهجر وعلى رأسها مشكلة اللغة). وقد انتهى إلى شيء مهم وهو البدء في وضع استراتيجية للغة الطفل في المهجر، ثم أكد أننا فعلا بحاجة إلى استراتيجية للغة الطفل العربي، وأوضح أن الورقة التي في أيدينا تتعرض لدواعي التفكير في الاستراتيجية التي يأتي على رأسها أننا نعيش في عصر العولمة بآثاره الجانبية السلبية، ومنها الحرص على تهميش الثقافات الأخرى وتسييد ثقافة بعينها هي الثقافة الغربية، مما جعل الطفل العربي مهددًا وأصبحت لغته عرضة لكثير من التداخلات والتشوهات، ونحن إذا لم نحرص على تجنيبه المزالق والمشكلات لن ندري كيف يصبح مستقبل هذه الأمة. ثم بدأ د.طعيمة في عرض المحاور الرئيسية اللازمة للاستراتيجية، ليصل إلى متطلبات إعدادها.

          وفي تعقيبه عليه أكد المفكر اللغوي د.عبدالسلام المسدي أن هذا الإطار يتسم بشمول المضامين والتصورات، وقد أبان عن عمق معرفي للقضية المطروحة، وزاوج بين طرح القضايا المدنية وتصورات التخطيط الإجرائي، ويكاد يأتي على كل الشوارد التي تندرج ضمن التصور الاستراتيجي أو التخطيطي. وهذا غير غريب على أهل الدراية، وأن آلية الانقراض تتسارع في نسقها، وهذا ما دعا اليونسكو في عام 2003 إلى تعيين يوم عالمي للغة الأم هو يوم 21 فبراير من كل عام.

          وطلب المسدي التفريق بين ما هو لغة (أم) ولغة (الأم)، مشيرا إلى الطفرة التي بدأت تظهر في تناول هذا الموضوع معربا عن خشيته منها، فهناك مؤسسات طفيلية في مجتمعاتنا العربية ترتجل الحديث عن لغة الأم بخلط وأحيانا بالدس وبمكر. واختتم تعقيبه بسؤال إلى محرري الوثيقة قائلا: إلى من نتجه بهذه الاستراتيجية؟

          وأجاب: في تقديري أن هناك فئتين نتجه إليهما بخطابنا: فئة أصحاب القرار السياسي والمالي، وفئة أصحاب العلم والمعرفة، لذا فعلينا أن ننتبه إلى ذلك ونحن نعد الصيغة النهائية.

          وبدوره قال د. أحمد الضبيب، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة: أود في البداية أن أشكر المجلس على هذه البادرة القومية الرائعة التي تتناول قضية خطيرة من قضايا العصر بالنسبة للعرب جميعا وهي قضية لغة الطفل، ونوه بالمؤتمر الذي عقده المجلس في فبراير الماضي وباستمراره في هذه الاستراتيجية المهمة.

          وطلب الضبيب العمل من أجل إعادة الثقة في اللغة عند المواطن العربي داعيا إلى إصلاح الحاضر حتى يصلح المستقبل.

          ووصف د. سليمان العسكري، رئيس تحرير (العربي) الورقة بالثمينة وقال: إن جهدا ممتدا يجب أن يبذل لنصل إلى نتيجة عملية قابلة للتنفيذ، لذا فالأمر يحتاج إلى تشكيل لجان عدة تتناول كل واحدة جانبا منها. وتساءل: من سينفذ هذه الاستراتيجية؟ ومن سيسهر على تطبيقها والإصرار على متابعتها على مدى سنوات. واستعرض العسكري وضع معلمي اللغة العربية وإحساسهم بالدونية في مجتمعاتهم، كما اتهم الإعلام بإتلاف الأطفال لغويا. وأشار إلى الخطة الشاملة للثقافة العربية، وقال إنه أميل إلى استخدام مصطلح خطة بدلاً من استراتيجية، فأمن عليه د.حماسة ود.سهير عبدالفتاح. وقال إن نحو 64 لجنة اجتمعت لإنجاز هذه الخطة لكنها في النهاية وضعت على الأرفف بعد أن صدرت وترجمت إلى لغات عدة.

          وعلق ميلود بأنها ورقة غنية وطموحة في الوقت نفسه، وطلب أن تتفرع عنها ثلاث خطط: تربوية أو تعليمية، وإعلامية، وثقافية، وطالب أيضًا بضرورة الاهتمام بالجانب التداولي للغة، فمشكلة اللغة هي التداول والاستعمال، واقترح تشكيل لجنة من التربويين واللسانيين والإعلاميين والمهتمين بالثقافة للإشراف على الاستراتيجية.

          ثم تحدث د.طلعت منصور مؤكدا أننا بحاجة إلى رؤية أو نموذج تصوري لتنفيذ هذه الاستراتيجية يقوم على رؤية متيقظة للحاضر وتسعى لاستقراء المستقبل ودراسة الماضي، وأكد ضرورة وجود لجنة مستمرة تعمل على إشاعة معايير الإتقان اللغوي.

          أما د. على مدكور فطالب بضرورة الانتباه إلى ماقال عن العربية وما يدخر لها في العالم من حولنا، وهل هي تحارب أم تعان على أن تستعمل وتنتشر وتتوسع؟ وضرب مثلا ببعض الجامعات العربية التي تذبح لغتنا ويصل بها الأمر إلى فصل نحو سبعين أستاذا للغة العربية والدراسات الإسلامية في أقل من عام استجابة لتعليمات قوى خارجية هدفها تقليص العربية ورفع كل ما يتصل بها من مناهج بدعوى أن في ذلك قضاء على التطرف.

          وأشار د. طعيمة إلى أن مشكلة اللغة ليست متعلقة بالطفل فقط، وأكد أنه عندما تتعدد المشكلات تتعدد الحلول، وأن قضايا اللغة أعظم من أن ينفرد بها اللغويون، ومشكلات تعليم اللغة أكبر من أن يضطلع بها التربويون، وأوضح أن أصحاب الرسالات أصحاب رؤية يقولون للناس إن أبناءكم في خطر!!. وطالب د.العسكري بوضع نصوص تشريعية لحماية اللغة، وعلقت على هذا الاقتراح د.ليلى خلف السبعان بأنها عندما شاركت في تطوير كتاب تدريس اللغة العربية لطفل السنة الأولى الابتدائية في الكويت جمعت كل التشريعات التي وضعت في هذا الشأن ووجدت فيها أشياء جيدة جدا، مشيرة إلى أنه ليس هناك مجال لوضع تشريعات جديدة، بل وضع آليات لتنفيذها.

          ورأس الجلسة الثانية د. محمود الناقة، وفيها عرض د.ميلود حبيبي استراتيجية التربية العربية التي تعد واحدة من أهم عشر استراتيجيات وضعتها (الأليكسو) مشير إلى أنها شاملة لكل مراحل التعليم، وأوضح أنها لم تنفذ لضخامة حجمها (خمسمائة صفحة)، كما أنه لم يكن هناك أي اهتمام إعلامي بها، وأضاف: لقد قمنا بتحديثها بإضافة بعض العناصر وتمت ترجمتها إلى لغتين لإخبار المؤسسات الدولية ذات الشأن كاليونسكو، كما قمنا بوضعها على الشبكة الدولية، ووجدنا أنه لابد من وضع نماذج تجريبية لمصلحة المخططين بالدول العربية، فضلا عن عمل ورش للتدريب لأن السؤال هو: هل هذه الاستراتيجية صالحة أم لا؟

          وأوضح د. طلعت منصور أنه لابد وأن تكون هناك مصدرية لبناء هذه الاستراتيجية، وأكد أنه لا استراتيجية من دون سياسة تدريبية في جميع المجالات: للمعلم وكيفية إعداده، للأم، للإعلام، بل يجب أن يمتد التدريب حتى إلى مستوى الشارع العربي. كما طلب استقطاب أولى الأمر المهتمين بلغة الطفل بصفة عامة، فالشراكة مع المؤسسات هي عملية تعطي مصداقية أكثر، وأوضح أهمية مراعاة الاستفادة من جماعات الضغط التي يمكن أن تساعد في تبني مثل هذه الاستراتيجية، واختتم كلامه موضحا أن الاستراتيجية منظومة مفتوحة قابلة للتعديل والتطوير. وحرص د.رشدي على توضيح أن هناك فرقا بين الاستراتيجية التي تعد خطة عامة، والتكتيك الذي هو خطط مرحلية تؤدي إلى استراتيجية بحيث تترك التفاصيل للتكتيك، وتساءل: إلى أي مدى يمكن أن تتوفر لنا بيانات عن اللغة في عالمنا العربي؟ كيف نستطيع عمل دراسة مسحية توثيقية؟ قد نحتاج إلى أرقام ومصدر يوفرها، كما تساءل: ما موقع لغة الطفل العربي في هذه الاستراتيجيات العشر التي تم إعدادها وكيف تناولته؟

          وقد أشار أيضا إلى أن هناك أبحاثا تناولت لغة الطفل العربي بصورة علمية، لذا دعا إلى أن يكون البحث العلمي مصدرًا من مصادر هذه الاستراتيجية المرجوة.

استراتيجية للواقع وأهداف للمستقبل

          في أولى جلسات اليوم الثاني التي رأسها الدكتور سليمان العسكري تحدث د. رشدي طعيمة عن اهداف لاستراتيجية وهي  حفظ المقومات الأساسية للغة الطفل العربى وحمايتها من المتغيرات التى تهددها وتستهدف إلى حد كبير طمسها. عبر تنمية الاعتزاز باللغة العربية كرمز للهدية وحاملة لتراث ثقافي عربي إسلامي عريق. وتنمية الاتجاهات الإيجابية عند الطفل نحو الاستعمال الصحيح للغة ودعم ألفته باللغة العربية الفصيحة وتنفيره من الاستخدام الخاطئ لها. ودعم إحساس الطفل العربى بأن العربية لغة علم وحضارة وليست مجرد لغة أدب فقط أو شعائر دينية فحسب.

          كما أضاف ثاني الأهداف وتصحيح أشكال الأداء اللغوى عند الطفل العربى ومعالجة المشكلات التى يصادفها فى ذلك، وخاصة مجالات الدراسات التقابلية Contrastive Analysis Studies بين اللغة العربية بمستوياتها المختلفة. وبينها وبين اللغات الأخرى للشعوب العربية مما يسهم فى التنبؤ بالصعوبات التى يمكن أن تواجه الأطفال العرب.

          وانحصر ثالث الأهداف في تمكين الطفل من امتلاك مجموعة من المهارات اللغوية التى تؤهله لاستخدام فنون اللغة بكفاءة، كالاستماع والتحدث والقراءة والقراءة الناقدة التي تعنى بتنمية المهارات الأساسية للقراءة الناقدة عند الطفل العربى وتمكينه من إبداء الرأى فيما يعرض عليه وتمييزه بين مستويات التعبير المختلفة صحة وجمالاً، والقراءة الجهرية، والكتابة لتنمية مهارات الطفل فى الكتابة بنوعيها الوظيفى والإبداعى وتزويده بالآليات اللازمة للكتابة بوصفها عملية Process وليست ناتجا Product والقدرة على التواصل التحريرى الدقيق والفعال ؛ سواء من حيث شكله ( الإملاء والخط ) أو من حيث مضمونه ( الأفكار والمعانى ).

          وكان رابع أهداف الاستراتيجية رفع مستويات الأداء اللغوى عند الطفل العربى، أما آخر الأهداف فكان من أجل توسيع الثقافة اللغوية والأدبية للطفل العربى وتعميقها وتعدد المصادر التى تثرى من خلالها لغة الطفل العربى، من خلال تدريب الطفل فى السنوات المتقدمة على استخدام المعاجم والموسوعات والمراجع والإنترنت وغيرها من مصادر المعرفة.

          وعقب د. الضبيب قائلاً: حدثنا د. العسكري أمس عن موضوع الأمن اللغوي، لابد لنا أن نضع هدفًا يتعلق بهذا الأمر، وفي تصوري أن استراتيجية تربوية فقط لن يكتب لها النجاح إذا لم تحظ بشيء يتصل بالبيئة والجهود التي يجب أن تبذل للارتفاع بنفسية الإنسان العربي وجعله يعتز بلغته وتراثه.

          ولعل أهم ما لم أجده في هذه الأهداف هو البعد الإعلامي، فكلكم تعلمون مدى تأثير الإعلام في لغة الطفل، فلابد أن يكون من أهداف الاستراتيجية إحداث تغيير مهم في المنظومة الإعلامية العربية، بحيث نحاول أن نعدل  المسافة بين الفصحى والعاميات واللغات الأجنبية في الفضائيات والتلفزيونات التي يتغذى عليها الطفل العربي صباح مساء، ولذا يجب إضافة الإعلام كهدف مستقل من أهداف هذه الاستراتيجية. وأكد الضبيب أهمية أن تهدف الاستراتيجية إلى الارتفاع بمستوى اللغة وتقوية الانتماء لها وجعلها فاعلة ومتداولة، فمن المعروف أن اللغة مثل العملة إذا زاد تداولها ارتفعت قيمتها، وإذا انخفض كسدت، لذا لابد وأن نضيف إلى هذه الأهداف أيضًا هدفًا يتصل بالسياسة اللغوية. ويستدعي د.سليمان العسكري، رئيس الجلسة ما جرى في مؤتمر القمة العربية الأخير في الرياض من التفات إلى أهمية اللغة العربية دون أن يوليه المجتمعون اهتماما كبيرا. وإن كان العسكري قد اعتبر هذا بادرة يجب أن توضع في الاعتبار لتكثيف الاتصالات لمصلحة هذه الاستراتيجية.

          ويعود المسدي لطلب عدم تسييس الموضوع محذرا من أن أمطار التدخل اللغوي ستتهاطل علينا قريبا.

 

نحو طفل عربي يعتز بلغته

          وفي هذا السياق يذكر العسكري أن هناك جهات حكومية في العالم العربي تقبل الآن أن تجيب عن مخاطبات بلغات أجنبية. وذكر د. علي مدكور أن دراسة نشرت أخيرًا توضح أن العرب بسبب تركهم للغة العربية واستخدامهم لغات أجنبية يخسرون سنويا مليارات الدولارات بسبب عدم قدرتهم على التواصل الجيد بلغة أجنبية، وعدم فهمهم لبنود العقود التي يوقعون عليها!!

          ويطلب د. مصطفى عبد السميع ضرورة الاستفادة من استراتيجية التربية في البلاد العربية التي أقرها وزراء التربية العرب، فأهدافها قيّمة جدا، وكذا استراتيجية تربية الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة التي أعدتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم منذ نحو أربع سنوات وأقرتها الدول العربية جميعها وبها نص كامل عن تنمية لغة الطفل.

          رفض د. محمود الناقة اعتبار التكنولوجيا نوعًا من التحديات التي تواجه اللغة العربية بوجه عام ولغة الطفل على وجه الخصوص، مؤكدًا أننا لو سلمنا بأن التكنولوجيا هي إحد التحديات التي تواجه المجتمع العربي فإن ذلك يعتبر نوعًا من التخلف، ومن المستحيل أن نعد استراتيجية ونثبت فيها ذلك. وأوضح د.رشدي طعيمة أن ما قصده بذلك هو الاعتراف بأن المجتمعات الأخرى تفوقنا في أشياء عدة أهمها التقدم التكنولوجي، وعلينا أن نسأل أنفسنا كيف نوظف المنجز التكنولوجي للآخر في تنمية لغة أطفالنا؟

          ويستخلص د. رشدي طعيمة شعارًا جديدًا لهذه الاستراتيجية وهو «نحو طفل عربي يعتز بلغته» ويطلب الشاعر  أحمد عبد المعطي حجازي الكلمة قائلا: ما ذكر حتى الآن يدور حول مشكلة تعليم الطفل العربي لغته العربية كما هي الآن، على حين أن هذه اللغة العربية بوضعها الحالي تحتاج منا إلى محور أو أكثر في هذه الاستراتيجية للحديث عن مدى كفاءتها في التعامل مع هذا العصر. وتساءل حجازي: إذا ما تعلم طفلنا العربية كما هي الآن هل يكون قادرًا على أن يعيش بها في هذا العصر ويتصل بمنجزه أم أنه سينقصه شيء علينا أن نبحث عنه من خلال هذه المحاور ومايرتبط بها من أوراق وبحوث، بحيث نصل في النهاية إلى إدراك أن هذه اللغة التي يتحتم على الطفل أن يتعلمها ينبغي لها أن تستوعب لغة ومصطلحات وفنون هذا العصر فضلا عن علمه.

          وأوضح د. الضبيب أن المشكلة متصورة ومعروفة وما تحتاجه فقط وضع الآليات والبرامج التي نستطيع أن تغلب بها عليها، وهذه هي الاستراتيجية: خطة هجوم لإصلاح شيء خاطئ، فنحن بيننا تربويون ونعرف جيدا حالة الضعف التربوي واللغوي المستشري في المدارس وفي تنشئة الطفل في البيت وخارجه.

          إذن علينا أن نضع البرامج التي تصحح هذا الوضع، ونحن ندرك أيضا تأثير الإعلام الذي أصبح هو المدرسة الكبرى التي يتلقى منها الأبناء لغتهم ونعي جيدًا كيف أن هذا الانجراف والانحراف الإعلامي يسيء إلى العربية، ونتساءل هنا: ما العلاج؟ لذا أرى أن نختصر البحوث في الأشياء التي تحتاج إلى استقصاء ودراسة لأنها خافية علينا، أما الأمور الكبرى فهي واضحة تماما أمامنا ونحن نصمم البرامج.

          وطلب الضبيب ضرورة احتواء الاستراتيجية في صورتها النهائية على برامج العلاج جنبا إلى جنب مع الأهداف.

          بعد ذلك طلب حجازي ضرورة الالتفات على المقصود ببعض المصطلحات والمفردات، ويقرب مثلا بمشكلة الأداء التي آثارها الضبيب وتساءل حجازي: أي أداء نقصده؟ هل هو أداء الطفل؟ أم أداء المعلم؟ أم الإعلامي؟ أم المؤلف.. إلخ.

          وعندما نتحدث عن اللغة والثقافة والهوية فنجد أن منا من يعتقد بأن الثقافة داخلة في الهوية، عندئذ يجب أن يكون المقصود بالثقافة هو التراث، لأن الثقافة تعني شيئًا آخر، لذا يجب الاتفاق على معنى كل كلمة ترد في محاور الاستراتيجية حتى نصل إلى هدفنا.

          ويمسك المسدي الخيط من حجازي ليقول: عندما نتحدث الآن عن وضع اللغة العربية فنحن على اقتناع تام بأن جسدنا اللغوي مريض، والمشكلة تكمن في أن هناك ثلاث نخب في مجتمعنا لا تقر إطلاقا بأن جسدنا اللغوي مريض: النخبة السياسية، النخبة المالية الاقتصادية، النخبة الثقافية، التي نطلق عليها (الإنتلجنسيا). وفرق كبير بين أن يأتي المريض إلى عيادة الطبيب وهو مستشعر المرض، ويطلب من الطبيب روشتة العلاج، وبين مريض يرفض أن يقر بأنه مريض، وإنما يراد إقناعه بأنه مريض فعلاً ويستوجب العلاج!! ونحن مع الأسف نعيش في هذه المرحلة، ولذلك فأنا عندما تحدثت عن الديباجة قلت إنها يمكن أن تتحول إلى أحد الموضوعات المدخلية الأولى، فعلينا أن نتحدث وفي ذهننا أن الذين نخاطبهم لايقرون بالبديهيات، ولا يعترفون بأن جسدهم اللغوي مريض، وأن إصلاحه إنما يبدأ بالناشئة.

          فهذه البديهية التي هي مصادرة عندي وعندكم ومسلم بها ولا تستوجب استدلالاً تصبح عند هذا المخاطب في حاجة إلى استدلال، ولذا يتحتم علينا في ديباجة الاستراتيجية أن نقول للقائمين على شئون هذه الأمة - ضمنًا أو تصريحًا - أو أن نقنعهم أو نستدرجهم حتى يدركوا أنه لا سيادة مأمولة للعرب في عالم الغد إلا بسيادة لغوية واستقلال لغوي، وهذه السيادة اللغوية ينبغي إعادة تأسيسها من البداية من خلال إعادة تأسيس الطفل. ويجب أن تكون هذه الرسالة أو الفلسفة التي تصدر عنها هذه الاستراتيجية المأمولة.

 

 

 

عودة إلى الخطاب الفلسفي العربي