Arabic symbol

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة
فلاسفة العرب
 
بحث مخصص

اللغة العربية وتحديات عصر العولمة

مجلة العربي الكويتية

1 أكتوبر 2000

حسين نصار

 Alarabi_logo

العولمة أو الكوكبة شعار تردد على ألسنة البشر المتكلمين بشتى اللغات في جميع أرجاءالأرض في السنوات الأخيرة. فهل تعني العولمة هيمنة التصور الغربي للثقافة على بقية أرجاءالعالم؟

           لكن أبسط الأمر على نفسي وقرائي،لن أخوض في الكثير الذي قيل في توضيح شعار العولمة، وأدلف مباشرة إلى تصوري الخاص له. ومعناه عندي إزالة الفواصل بين أقطار العالم لتصير الكرة الأرضية كلها قرية عالمية كما يقال. وعمدا ذكرت الفواصل مبهمة دون أي نعت.

          فإذا عنينا بالفواصل: الفواصل السياسية تذكرنا أن الرغبة في إزالتها ليست من بنات القرن العشرين أو الحادي والعشرين، بل هي قديمة كل القدم، استبدت بكثير من القادة والشعوب، فوجهت أفكارهم وخطواتهم. وفي الصدارة منهم الإسكندر المقدوني، وقمبيز الفارسي، وجمهرة من أباطرة الرومان وخانات التتار، وانتهاء بهتلر الألماني.

          ولكن تحقيق الرغبة في إزالة هذه الفواصل اعتمد قديما على القوة العسكرية الباطشة، أما في العصر الحديث فيرتدي زي السلم، ويحتج بالاتفاقات المتعددة التي فرضتها هيئة الأمم المتحدة. ومع ذلك لا يخلو الأمر من القسر. وأقرب الأمثلة أمامي ـ وأنا أكتب هذا المقال ـ ما حدث في القطرالأوربي النمسا. فقد فاز حزب الحرية اليميني في انتخابات لم يتهم أحد نزاهتها وتعبيرها عن ميول الشعب النمساوي، وحصل على عدد من الأصوات يجعل من حقه الديمقراطي أن يؤلف الوزارة منفردا أو مؤتلفا مع غيره. وما إن بلغت هذه الأنباء مسامع العالم الأوربي الأمريكي حتى أصدر التحذير بعد التحذير، مهددا بالمقاطعة وما وراءها. وفي الغيب ما يكشف عنه المستقبل. وذلك خرق للديمقراطية النمسوية والغربية لا يمكن ستره.

          وإذا عنينا بالفواصل الاقتصادية منها، تذكر المؤرخون منا وقراء التواريخ، وقائع كثيرة وحروبا قصيرة وطويلة شبت بسببها. بل يذهب كثير من المفكرين إلى أن الاقتصاد وراء كل الحروب والمنازعات. وفي هذه السنوات توضع الاتفاقات الدولية واحدة بعد أخرى، لإزالة الفواصل الاقتصادية، وفتح أسواق الدول أمام المنتجات الأجنبية دون موانع أو معوقات.

          وإذا عنينا بالفواصل، تلك الفواصل الاجتماعية والثقافية برز أمامنا اتفاقات (الجات) وما سمي بحقوق الإنسان، وإعطاء بعض الدول القادرة حق الحفاظ عليها في داخل كل دولة، مهما كان مدى الاختلاف بين النمط المحلي والنمط الذي يصور على أنه عالمي.

ثقافة عابرة للحدود

          ولما كان هذا المجال هو الذي أستطيع الحديث عنه، فإنني أقف عنده بعض الوقت. فالكرة الأرضية تضم عدة ثقافات جديرة كل الجدارة بأن توصف بالدولية أو العالمية، أريد بذلك أنها لا تنحصر في دولة واحدة، بل عبرت حدود الدولة الأصل وانبسطت في أكثر من دولة مجاورة لها، مثل الثقافتين البوذية والكونفوشيوسية اللتين تهيمنان على الشرق الأقصى، والثقافة الإسلامية التي تهيمن على قلب العالم، والثقافة المسيحية الأرثوذوكسية التي تهيمن على روسيا واليونان وما جاورهما وتنتشر انتشارا واسعا في مصر والسودان وإثيوبيا وغيرها، إضافة إلى الثقافة المسيحية الكاثوليكية والبروتستنية التي تهيمن على بقية العالم.

          وأهلا وسهلا بكل ما يتصل بتبادل المعارف بيننا وبين هذه الثقافات جميعاً.

          أهلا وسهلا بإتاحة كل الفرص للإطلال على جميع الثقافات، لا أقول الثقافات العالمية التي ذكرتها، بل والثقافات الفطرية والمحلية التي تصعب الإشارة إليها واحدة واحدة، وللتفاعل الطوعي معها.

          ولكن النظرة السريعة إلى اتفاقات العولمة وشروطها والوقائع التي فرضتها أو أرادت ذاك تؤدي إلى اليقين بأن العولمة ـ في الحقيقة ـ إنما هي هيمنة التصور الغربي للثقافة على بقية أرجاء الدنيا، وإن شئنا الدقة قلنا تصور المتحدثين بالإنجليزية، وإن شئنا مزيدا من الدقة قلنا التصور الأمريكي.

          يتمثل ذلك أوضح التمثل في اتفاقية حقوق الإنسان. فهي تنادي بحقوق الإنسان الفرد، وتتغاضى عن حقوق الجماعات التي يعيش بينها، وأقربها إلى الذهن عائلته التي أعاشته، فإنها تحرمها حق التوجيه والضبط. وقيام المجتمع الأمريكي على الفرد أمر لا يحتاج إلى تصريح أو تدليل.

          ورافق هذا الاتجاه العالمي ثورة في وسائل المعلومات والاتصال ربما كانت أحد أسبابه، أو أحد عوامل انتشاره السريع، وقد اعتمدت هذه الثورة على تطور سريع تكنولوجي إلكتروني.. إلخ، أنتج أجهزة غاية في التعقيد.

          ولما كانت هذه الثورة قد بزغت تحت مظلة اللغات المنتمية إلى الخطين البلاتيني والإغريقي، فقد صنعت أجهزتها بحيث تناسبهما. ولما كنا أصحاب خط مختلف احتاج الأمر إلى تعديل في الأجهزة وفي الخط العربي، ليتاح لنا الاستفادة منها، والحصول على المزايا التي تتيحها.

          ومن ثم اعتقد أننا ـ نحن العرب ـ يجب أن نحسن مواجهة الواقع الجديد كي نلحق بركب التطور العالمي الشامل والغالب والسريع .يجب أن تكون لدينا الرغبة والجرأة والتخطيط.

          أولا يجب أن يكون لدينا الوعي بذاتنا، وعناصر هذه الذات من ثقافة ولغة: ثقافة تحتضن كنوزا من القيم والفنون، ولغة تحتضن كنوزا من فنون الأدب وأنواع العلم. يجب أن يكون المفكرون منا على وعي دقيق بأهمية الثقافة واللغة، في بقاء الشعوب، وحثها على الصراع من أجل الازدهار والتقدم.

          لست أنا، ولا نحن ـ المثقفين العرب ـ الذين يرفعون قدر الأدب والعلم واللغة عندنا، من باب الزهو الكاذب.ولكن فعل ذلك كل من اشتغل بها في موضوعية، وعبر عنا في صراحة.

          ولذلك فهي تدعونا إلى ألا نفرط فيها، بل في كياننا. إن من يعطون شركاتهم ومحلاتهم عناوين أجنبية غير مستلهمة من تراثنا الوطني أو القومي، ومن يتراسلون معا منا باللغة الإنجليزية في معاملاتهم، ومن يكتفون بالتراسل مع الأجانب بالإنجليزية دون إصحابها بنص عربي ومن يشوهون أسماءهم العربية لتكون ذات مسحة أجنبية، فيصير عمودي أمودي ورقية روكية.

          ومن يشوهون تراكيبنا اللغوية أو يقبلون بها، ليقال :النيل هيلتون، والجيزة شيراتون وما شابه.

          ومن يسخرون من المحافظين على سلامة العربية دون تشدق أو تقعر يكفي أن نبي الفصاحة كرههما.

          ومن يسخرون من الحاكم الذي يضع قوانين للحفاظ على اللغة العربية، كما فعل بعض الصحفيين المصريين منذ سنوات، ومن تحرف صوت بعض الحروف من المذيعات، ظنا منها أن ذلك يجعلها من المتحضرات

          وفي عبارة واحدة كل من لا يقدس ـ وأقول يقدس ـ لغته وثقافته، إما جاهل بذاته وما تفرضه عليه، أو جاهل بما نملك من كنوز رائعة، يواريها أو يحط من قدرها حاضرنا المهيض لا حقيقتها الرائعة.

          ولا يعني هذا أن نقنع بما لدينا مبهورين مفاخرين، وإنما يعني أن يدفعنا إلى أن نكون أبناءه، أبناءه الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين، يستلهمون هذا القرن ما لا يكفر بالتراث ويضعهم في مواكب النور.

          وإذا كنت قد جمعت بين اللغة والثقافة أو التراث فإنني لا أعني بذلك أن أمرهما واحد، فالدفاع عن التراث ـ في خلدي ـ أيسر كثيرا من الدفاع عن اللغة.

          فإنني أعتقد أن أحدا واعيا منا لا يماري في أن تراثنا مثل تراث كل الأمم: يحتوي على التافه الساقط الذي أنتجته عصور الضعف. ويحتوي على ما كان صالحا لزمانه ولم يعد كذلك في زماننا، ويحتوي على ما ينبو عنه الذوق المعاصر.

ملاحقة التقدم

          وعلى الرغم من كل هذا، لا يماري إلا الجاهلون والمتعصبون في روعة هذا التراث، وامتلاك كثير من نماذجه وفنونه مقومات الخلود.

          وإذن علينا أن نعمل عين التمييز في هذا التراث، ونسقط ما يحسن إسقاطه، ونرفع ما هو جدير بالرفع والبقاء والاستلهام.

          أما اللغة العربية فإنها تواجه ـ في هذا العصر ـ الهجوم: ممن يفضلون عليها اللغة الإنجليزية التي يرونها لغة العلم والابتكار والتقدم، أو يرونها لغة التجارة العالمية أو الواسعة المدى، وممن يرون أنها قاصرة عن ملاحقة التقدم العلمي، وممن يرون أن قواعدها كثيرة ومعقدة ومن العسير الإلمام بها والسير وفق أحكامها. وممن يرون في استخدامها تخلفا، وفي استخدام اللغات الأخرى تحضرا.

          والحق إن قواعد ليست أكثر ولا أصعب من قواعد الفرنسية والألمانية مثلا.

          والحق الذي لاشك ولا جدال فيه أن اللغة هي الإنسان الناطق بها، أي أن العربية هي نحن، أو إن شئنا الدقة هي فكرنا، أي ما تحتوي عليه عقولنا من معارف. فإذا قصرت عن العلم الحديث فلأننا نحن المقصرون، وإن واكبته فلأننا واكبناه. فلا يمكن أن نتقدم نحن وتقصر لغتنا، وأمامها أبواب الوضع والاشتقاق والتوسع والمجاز والتعريب والاستعارة.

          الواجب إذن على مجامعنا اللغوية أن تسرع في مواجهة كل كشف جديد، وأن تتفق فيما بينها على مصطلح واحد، وأن يكون لها حق فرض استعماله على الجميع.

          والواجب أيضا على مدارسنا الابتدائية والإعدادية (المتوسطة) والثانوية أن تجعل الهدف من تعليم قواعد العربية القدرة على التعبير السليم كتابة وقولا.

          فالعناية الآن تكاد تقتصر على تعليم التلميذ القواعد، وتختبره في حفظها. ولكنه يسقط سقوطا شنيعا عندما يستعملها. وما أظن أن رجال التربية في العالم العربي يجهلون الطرق إلى بث هذه القدرة في التلاميذ، وكثيرا ما تتهم الجامعات بالتقصير في هذا الصدد، ويغفل من يفعل ذلك عن أنه ليس من شأن الجامعات، وإنما هو من شأن سني الصبا المبكر.

          وواجب على أجهزة الإعلام المتعددة أن تلتزم الصحة في كل ما هو جدير بها، لأن أثرها عظيم في نشر الصواب أو الخطأ.

          ويبقى أهم واجب وهو واجب علماء اللغة العربية، الواجب الذي يجب أن يؤدوه لتعيش العربية معيشة القدرة والكفاءة في عصر الأجهزة العلمية.

          إن بعض العلماء يظنون أن فصحى الأمس يجب أن تكون فصحى اليوم. وهذا ظن بعيد كل البعد عن الصواب، يهملون قرونا من الاستعمال الحي للغة، ذلك الاستعمال الذي يجري من التغيير المحسوس وغير المحسوس. وربما كان أقرب ما أجرت من تغيير التخفف من بعض الأمور، والميل إلى بسط القياس على كل شيء، وإهمال الشواذ.

          فإذا نظرنا إلى الخط وجدنا المحدثين يحافظون على الألف الوسطى التي كان يهملها القدماء عادة، فيكتبون هارون واسحاق وأمثالهما بالألف، ووجدنا كثيرا منها يأتي بالواو المحذوفة من داود، أي أنهم مالوا إلى أن تمثل الكتابة النطق. وهذا حق، يجب أن يراعيه العلماء، ويطبقوه في كل الأحيان. ويجب أن يهملوا الاعتبارات التي أدت إلى مخالفة الخط للنطق، مثل: الرغبة في التفريق بين المنتهي بواو أصلية والفعل المسند إلى واو الجماعة، الذي أضافوا إليه ألفا لا تنطق، على رغم أن السياق وحده يكفي في التمييز في كل الحالات.

          الرغبة في التفرقة بين الألف التي أصلها واو في الثلاثي فتكتب ألفا مثل غزا، والألف التي أصلها ياء فتكتب ياء مثل رمى، على الرغم من أن نطق الحرفين واحد.

          الرغبة في التفرقة بين عُمَر وعَمْرو، بزيادة واو غير منطوقة على الأخير.

          الرغبة في التفرقة بين فئة ومائة، لتشابههما الكبير في الخط القديم غير المنقوط، مما أدى إلى يمد كثيرون فتحة مئة.

          وأمثال ذلك كثير، بل هناك كلمات يخالف النطق الرسم دون اعتبارات معروفة.

          والمفردات مات بعضها أو كاد. ويكفي أن أشير إلى بعض الكلمات القرآنية التي كان المتوقع أن يتسع انتشارها لوجودها في القرآن المرتل في كل آن، ولكن ذلك لم يقدر لها. وأمثل لها بضيزى بمعنى ظالمة، وكفات الموجودة في قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياء وأمواتا} ومعناها الأرض التي يضم فيها الشيء ويقبض. إذا صح ذلك في الألفاظ القرآنية، فهو أكثر صحة في غيرها من الألفاظ.

          وطبيعي أن يتغير مدلول كثير من الألفاظ، مثل كلمتي غزو وفضاء في قولنا غزو الفضاء.

أنماط مصطنعة

          ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى بعض التراكيب. فمال الإنسان الحديث إلى التبسيط والتعميم والاحتكام إلى القواعد العامة وتجنب الشذوذ. فالمتكلم الحديث إذا أراد أن ينطق بمثل قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك، لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل} أضاف ما فقال: ما لم تكن آمنت من قبل. وأمثال هذا كثيرة.

          أضيف إلى ذلك أن هناك أنماطا من القول مصطنعة. فقد قامت إحدى تلميذاتي بدراسة التنازع والاشتغال، واستخرجت من كتب النحو القديمة الأنماط التي أعلنها النحويون. ثم بحثت عن هذه الأنماط في عدد من السور القرآنية والنصوص الأدبية القديمة والحديثة نثرا وشعرا، فاكتشفت أن كثيرا من هذه الأنماط لم ترد في الاستعمال. والواجب على النحاة أن يطرحوها من كتبهم.

          بل أقول إن الطرح يجب أبوابا نحوية كاملة عدل عنها الاستعمال الحديث أو كاد. ونجعل من الاستعمال معيارا للعناية والإهمال، لأن القواعد اللغوية إنما توضع للتوظيف لا للمعرفة.

          ويجب أن ينخل النحو من آثار نظرية العامل التي عدلنا عنها. وإلا فكيف يصدق التلميذ أن السماء في قوله تعالى: {إذا السماء انفطرت} ليست مبتدأ، وأنها فاعل لفعل محذوف، وأن أصل القول: إذا انفطرت السماء انفطرت.

          بل لماذا يعني النحويون التلاميذ بجواز التقديم والتأخير في كل باب من أبواب النحو أو عدم جوازهما، ولا يطلقونها قاعدة عامة: بما أن العربية لغة إعرابية يجوز للأديب أن يقدم بعض الكلمات أو يؤخرها لأسباب خاصة به، شريطة الاحتفاظ بموقعها الإعرابي.

          ولماذا يعنونهم بالتقسيم إلى جمع مذكر سالم وملحق به، وجمع مؤنث سالم وملحق به، ويكثرون من اختبارهم في الفروق بينهما، ولا توضع قاعدة تجمع الفئتين، وذلك أمر يسير.

          إن العولمة وما توجده من ظروف جديدة تثير أمام العربية تحديات تحتم على أبنائها أن يتسلحوا بالوعي الداعي إلى الحفاظ عليها،والجرأة على وضع المعايير السليمة لقبول أو رفض قواعد الخط والنحو، والسعي الدائب إلى ايجاد الطرق التي تؤدي إلى بث القدرة في التلاميـذ على التعبير السليم.

 

 

 

عودة إلى الخطاب الفلسفي العربي