Arabic symbol

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة
فلاسفة العرب
 
بحث مخصص

عقدة التعريب: إشكالية ترجمة مفاهيم "التفكيك"

arabonline_logo

العرب أونلاين

22 نوفمبر 2008

علي صديقي

 

ساهمت الترجمة، وما تزال تساهم، بفعالية كبيرة، فى تشكيل الوعى العربي، القديم والحديث، فهى إحدى سبل المثاقفة الإيجابية، وإحدى أهم وسائل التلاقح والتداخل الحضارى بغية المشاركة الفعالة فى إنتاج ثقافة تطمح إلى أن تكون كونية ولكنها فى الوقت نفسه تحتفظ بخصوصياتها التاريخية ومميزاتها الحضارية.

ثم إنها إحدى أهم وسائل نقل العلوم والمعارف والثقافة من شعب إلى آخر ومن لغة إلى أخرى. وتكتسى أهمية أكبر لما تتيحه من فرص مواكبة التطورات الفكرية والثقافية والعلمية الحاصلة لدى الأمم الأخرى.

غير أنه ورغم أهمية الترجمة، أو لنقل بسبب هذه الأهمية، فإنها ما تزال تعانى من مشاكل تستعصى على الحل وذلك رغم الجهود الكبيرة التى بذلت فى سبيل تذليل هذه الصعوبات والتخفيف من وطأتها إذا لم يكن من الممكن حلها والقضاء عليها بشكل نهائي، حتى ليمكن الحديث عن وجود "أزمة" ترجمة فى العالم العربي.

وتتعدد أسباب هذه "الأزمة" وتختلف عواملها، فمنها ما يرجع إلى طبيعة الترجمة ذاتها والتى تتمثل أساسا فى عدم قدرتها على نقل النص الأصلى من لغة إلى أخرى بكل دقة وأمانة حتى أنه جرى ربطها بالخيانة. ومنها ما يرتبط بتشتت الجهود بين الأفراد، فهى ثمرة جهود فردية فى الغالب وليست جماعية، الأمر الذى ينتج عنه تعدد الترجمات واختلافها للنص الواحد.

أضف إلى ذلك انعدام خطة واضحة لدى المترجمين وموحدة فيما بينهم لوضع المصطلحات، وهو ما نتج عنه تعدد المقابل العربى للمصطلح الأجنبى الواحد بسبب تعدد المترجمين أو بسبب اختلاف اللغات الأجنبية المنقول عنها، وهي، غالبا، الفرنسية والانجليزية والألمانية والاسبانية إلى حد ما.

على أن أخطر ما تعانى منه الترجمة العربية الراهنة للمفهوم الغربي، فى نظري، هو اختزال المشكلة فى طريقة ترجمته دون الإشارة إلى تحيزاته.

فكثير من المترجمين والنقاد العرب لا يؤمنون بتحيز المفاهيم الغربية المترجمة ويعتقدون بأن هذه المفاهيم كونية وعالمية متعالية عن الزمان والمكان وعن أى خصوصية تاريخية وحضارية، وأنها لا صلة لها بأى مضمون فلسفى أو عقيدة دينية، الأمر الذى نتج عنه لدى البعض ما يمكن أن نسميه بالترجمة الحرفية الآلية لهذا المفهوم. وهذا ما تنبه إليه كثير من النقاد والدارسين العرب، وفى مقدمتهم المفكر المصرى عبد الوهاب المسيرى وسعد البازعى وعبد العزيز حمودة.

فقد أكد المسيرى فى أكثر من موضع من دراساته، تحيز المفاهيم الغربية وارتباطها بمعجمها الحضارى وسياقها التاريخى الذى نشأت فيه، وكذا بصاحبها الذى وضعها. يقول المسيري:

"1- كل دال متجذر فى تشكيل حضارى فريد، له لغته المعجمية والحضارية الفريدة، ولذا فالدال "وحقله الدلالي" مرتبط بسياق حضارى محدد، ويشير إلى ظواهر بعينها دون غيرها.

2 - الدال بطبيعة الحال لا يشير إلى مدلول خارجى وحسب، وإنما يحتوى أيضا على وجهة نظر من سكه وزاوية رؤيته واجتهاداته "منظوره"...

إن تحيز الدال هنا مزدوج: تحيز سياقه، وتحيز من صاغه..."، كما يقول المسيرى فى سياق حديثه عن إشكالية ترجمة مفهوم "العلمانية": "حينما ينتقل مصطلح مثل "علمانية" من معجم حضارى إلى معجم حضارى آخر وتتم "ترجمة" المصطلح، فإنه يظل يحمل آثارا قوية من سياقه الحضارى السابق الذى يظل مرجعية صامتة له...

وقد اختزلت مناقشة المصطلح إلى طريقة ترجمته، ولم تعد القضية وصف الظاهرة العلمانية وتحليلها وتسميتها حسبما نراها نحن... بل انصب الجهد الفكرى والبحثى على مناقشة أحسن الترجمات لكلمة "علمانية" وأقربها إلى المعجم الغربى وأكثرها دقة. وهكذا سقطنا فى شرك الموضوعية المتلقية".

والأمر نفسه لاحظه سعد البازعى حيث يقول:" ومن هنا كان الملاحظ على كثير من المترجمين والباحثين العرب تغليب قيمتى الصحة والدقة، بعيدا عن المساءلة الناقدة، فيما يبحث ويتلقى عن الثقافة الغربية إجلالا واحتراما لذلك المصدر الذى يبدو وكأنه لا يجوز التصرف فيما يرسل. الصحة والدقة تحيل عمليتى الترجمة والتواصل المعرفى إلى عملية نقل تراعى الدقة والضبط، وتحاول أن تكون زجاجا شفافا يمرر المعرفة دون أن يؤثر فيها".

أما عبد العزيز حمودة فقد رأى أن "الأزمة ليست، كما يتصور البعض، أزمة مصطلح وترجمته ونقله إلى العربية، بل أزمة الثقافة- الثقافات التى أفرزت ذلك المصطلح، أزمة اختلاف حضارى وثقافى بالدرجة الأولى".

ولمعاينه هذه الإشكالية عن كثب نتوقف هنا عند ترجمة أربعة مفاهيم أساسية عند دريدا هى مفهوم "التفكيك" و "الاختلاف" و "علم الكتابة" و "الأثر".

• مفهوم "التفكيك" "Déconstruction":

يعد الناقد السعودى عبد الله الغذامى من النقاد الأوائل الذين ترجموا مفهوم "Deconstruction" من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وقد اقترح ترجمته بـ "التشريحية"، فبعد حيرته – يقول الغذامي- أمام هذا المصطلح، وتردده بين عدة كلمات عربية مثل النقض والفك والتحليلية، يثبت أخيرا على مصطلح "التشريحية".

يقول الغذامي: "احترت فى تعريب هذا المصطلح ولم أر أحدا من العرب تعرض له من قبل "على حد اطلاعي" وفكرت له بكلمات مثل "النقض/والفك" ولكن وجدتهما يحملان دلالات سلبية تسيء إلى الفكرة، ثم فكرت باستخدام كلمة "التحليلية" من مصدر "حل" أى نقض ولكننى خشيت أن تلتبس مع "حلل" أى درس بتفصيل، واستقر رأيى أخيرا على كلمة "التشريحية أو تشريح النص". والمقصود بهذا الاتجاه هو تفكيك النص من أجل إعادة بنائه وهذه وسيلة تفتح المجال للإبداع القرائى كى يتفاعل مع النص".

غير أن هذا المصطلح المقترح من قبل الغذامى يبدو أنه لم يلق قبولا لدى النقاد والمثقفين العرب ، فاقتصر استخدامه –حسب علمي- على الغذامى وحده.

ولا شك أن القارئ قد لاحظ أن "التشريحية" التى يتحدث عنها الغذامى فى الفقرة السابقة تختلف كليا عن "تفكيكية" دريدا، فالتشريحية عند الغذامى تسعى نحو "تفكيك النص من أجل إعادة بنائه"، وهذا يتنافى مع مبادئ التفكيكية –إن كانت لها أصلا مبادئ- ذلك أن التفكيك عند دريدا لا ينطوى على إمكانية إعادة البناء، فإعادة البناء، فى نظره، فكرة غائية ميتافيزيقية لا تختلف عن الفكر الذى يسعى إلى تقويضه، وبذلك يكون إعادة البناء بعد التفكيك أكبر عمل تحريفى يمكن أن نقوم به.

ويزداد الأمر تعقيدا حين يبين الغذامي، بعد أن يستعرض أهم مفاهيم التفكيك عند دريدا، أن تشريحيته تختلف عن تشريحية دريدا، وأن تشريحية دريدا لا تعنى الدارس الأدبى فى شيء لأنها تشريحية تسعى إلى "نقض منطق العمل المدروس من خلال نصوصه" ، لذلك لم يعمد إليها لأنها لاتنفعه فى هذه الدراسة.

فما هى إذا سمات تشريحية الغذامي؟

يقول الغذامى مجيبا على هذا السؤال: "ولقد أميل إلى نهج بارت التشريحى لأنه لا يشغل نفسه بمنطق النص "وهو شيء لا يعنى الدارس الأدبى بحال"، ولأنه يعمد إلى تشريح النص لا لنقضه ولكن لبنائه، وهذا هدف يسمو بصاحبه إلى درجة محبة النص والتداخل معه بكل تأكيد".

يتضح إذن أن أهم سمات تشريحية الغذامى تتحدد فى أنها لا تجعل الهدم غاية فى حد ذاته، وإنما مجرد وسيلة الهدف منها بناء النص، وهى تباشر النص باعتباره "جسدا حيا" فتسعى إلى تفكيك جزئياته وإعادة تركيبها من جديد قصد الوصول "إلى كل عضوى حى لها، ولكنه يختلف عن "الكل" الأولى من حيث إن للأخير فعالية نتجت عن القراءة الابتكارية للنص المشرح، بينما الكل الأولى كان حتمية إنشائية مفروضة على العمل ولو ظاهريا".

وهنا يتساءل القارئ: هل الغذامى بصدد ترجمة مفهوم التفكيك عند دريدا أم أنه بصدد صياغة مفهوم جديد؟ لقد انطلق الغذامى من ترجمة مفهوم "Deconstruction" عند دريدا، لكنه انتهى إلى شيء مغاير لما أراده دريدا، فهل يصح، بعد كل هذا، مصطلح تشريحية ليكون مقابلا عربيا دقيقا – حتى لا نقول صحيحا- لمفهوم دريدا؟

وشاع فى الكتابات النقدية العربية مصطلح التفكيك أو التفكيكية، وهو مصطلح اعتمده كثير من المترجمين والنقاد العرب، نخص بالذكر: كاظم جهاد وعبد الله إبراهيم وعبد العزيز حمودة وفريد الزاهى ومحمد عنانى وغيرهم.

يقول محمد عناني، مبررا اعتماده هذا المصطلح: "التفكيكية deconstruction مصطلح موفق، وإن كان قد أسيء فهمه إساءة بالغه، ربما بسبب عدم تقديمه فى صورته التاريخية التى تعتبر فلسفية أولا ونقدية أو أدبية ثانيا. فالتفكيك الذى اشتق منه المصدر الصناعى هو فك الارتباط، أوحتى تفكيك الارتباطات المفترضة بين اللغة وكل ما يقع خارجها، أى إنكار قدرة اللغة على أن تحيلنا إلى أى شيء أو إلى أى ظاهرة إحالة موثوقا بها...".

وثمة مصطلح ثالث اقترحه كل من الناقد السعودى سعد البازعى والناقد الجزائرى عبد الملك مرتاض، وهو مصطلح "التقويضية" أو "التقويض"، فقد كان سعد البازعى سباقا إلى اقتراح مصطلح التقويضية واعتباره أدق من التفكيك رغم استمراره فى استعمال مصطلح التفكيك لشيوعه.

يقول البازعي: "المفترض هنا أن عبارة "تفكيك" هى المقابل الدقيق لكلمة "Deconstruction" ولكنها ليست كذلك، فبما أن الكلمة الأجنبية تعنى نقض البناء أو هدمه De-Construction "أى اللابنائية"، فلعل عبارة "التقويضية" هى الأدق، ولكننا سنستمر مع ذلك فى استخدام عبارة "تفكيك" لشيوعها، على أن يفهم المقصود الاصطلاحى بها، وسندرك أهمية تحديد التفكيك بأنه النقض حين ندرك أن العبارة تعود إلى "العدمية" Nihilism بالمفهوم الذى وضعه فريديريك نيتشه".

غير أن البازعى يعود مرة أخرى، رفقة زميله ميجان الرويلي، ليعدل هذا المصطلح ويقترح بدله "التقويض" منتقدا كل محاولة لترجمة المصطلح بالتفكيك. يقول البازعى وميجان الرويلي: "التقويض هو المصطلح الذى أطلقه الفيلسوف الفرنسى المعاصر جاك دريدا على القراءة النقدية "المزدوجة" التى اتبعها فى مهاجمته الفكر الغربى الماورائى منذ بداية هذا الفكر حتى يومنا هذا.

وقد حاول بعضهم نقل هذا المصطلح إلى العربية تحت مسمى "التفكيك"، لكن مثل هذه الترجمة لا تقترب من مفهوم دريدا ، حالها فى هذا حال مصطلح التقويض. على أن "التقويض" أقرب من "التفكيك" إلى مفهوم دريدا".

ويمضى البازعى مبررا اقتراحه قائلا: "فالتقويض على نقصه لا يلتبس بمفهوم رينيه ديكارت وميكانيكية تفكيكه للمفاهيم .

إضافة إلى ذلك، فالتقويض لا يقبل مثل ما يذهب إليه أهل "التفكيك" فى مقولة "البناء بعد التفكيك". كما أن مفهوم التقويض يتناسب مع الاستعارة التى يستخدمها دريدا فى وصفه للفكر الماورائى الغربي، إذ يصفه باستمرار بأنه "صرح" أو معمار يجب تقويضه.

ولئن انطوى مفهوم التقويض على انهيار البناء، فإن إعادة البناء تتنافى مع مفهوم دريدا للتقويض، إذ يرى فى محاولة إعادة البناء فكرا غائيا لا يختلف عن الفكر الذى يسعى دريدا إلى تقويضه" .

ونشر عبد الملك مرتاض "عام 1999" بحثا بعنوان: "نظرية التقويض: "مقدمة فى المفهمة والتأسيس"" تحدث فيه عن إشكالية نقل هذا المصطلح، وانتقد ما شاع لدى النقاد الحداثيين العرب من استعمال "التفكيك" و"التفكيكية"، واقترح بدل ذلك مصطلح "التقويض".

يقول مرتاض: "ولقد شاع لدى النقاد العرب الحداثيين استعمال مصطلح "التفكيك" والأشيع من ذلك مصطلح "التفكيكية"، وهو مصطلح من الصعب أن نوافق عليه لأنه لا يستند، فى الاستعمال إلى أى علاقة دلالية مما يودون... من أجل كل ذلك نقترح استعمال مصطلح "التقويض" مقابلا للمصطلحين الانجليزى والفرنسي: "Deconstruction, Déconstruction" عوضا عن مصطلح "التفكيك" الذى بدأ يشيع بين النقاد العرب لأنه لا يستطيع أن يحتمل، ولا أحد يستطيع أن يجعله يحتمل، دلالة المصطلح الأجنبى من الوجهة المعرفية".

ويبدو أن مرتاض لم يكن قد اطلع على محاولة البازعى التى سبقت محاولته فادعى التفرد باقتراح هذا المصطلح.

ويقترح عبد الوهاب المسيرى ترجمته بـ"الانزلاقية"، رغم أنه يستعمل، غالبا، مصطلح التفكيك. يقول المسيري: "كل هذا يوصلنا إلى الفعل التفكيكى الأكبر "deconstruct"...

وقد ترجمها الدكتور سعد البازعى وميجان الرويلى فى دليل الناقد الأدبى بالتقويضية، كما يمكن ترجمتها بالانزلاقية "وذلك إن أردنا ترجمة المفهوم الكامن وراء الكلمة لا الكلمة ذاتها فقط، وهذه إشكالية حقيقية تواجه المترجم العربى من اللغات الأوروبية، حيث يتبدى من خلال المفردات نموذج حضارى متكامل تعجز الترجمة الحرفية عن نقله، بل إنها تطمس معالمه أحيانا وتفصل المصطلح عن النموذج الحضارى الكامن وراءه"".

تعكس صعوبة ترجمة مصطلح "Déconstruction" إلى اللغة العربية، تلك المشكلة التى يعانى منها هذا المصطلح فى مجاله التداولى الأصلى الذى هو اللغة الفرنسية.

يقول دريدا فى سياق حديثه عن الصعوبات التى تعترض ترجمة هذه الكلمة إلى اللغة اليابانية: "ذلك أننا إذا ما أردنا الوقوف بادئ ذى بدء على صعوبات الترجمة... فربما وجب ألا نبدأ بالاعتقاد –الأمر الذى سيكون مجرد سذاجة- بأن مفردة "التفكيك" تقابل فى الفرنسية دلالة واضحة ولا مصدر فيها للبس. هناك فى لغتـ"ي" من قبل، مشكلة ترجمة، شائكة، بين ما نهدف إليه هنا وهناك عبر هذه الكلمة، واستخدام هذه الكلمة نفسه ومنبعها.

لقد بات واضحا أن الأشياء تتغير من سياق إلى آخر فى الفرنسية، نفسها بالذات."" " فكيف بها إذا انتقلت على سياق تاريخى وحضارى مغاير، وإلى لغة مختلفة عن اللغة الأصلية التى ولدت فيها؟ إن من الواضح أن الأمر سيصبح أكثر صعوبة وتعقيدا.

وتتضاعف هذه الصعوبة عندما نعلم أن هذا المفهوم منزلق ومنفلت من قبضة أى تحديد أو محاولة للتعريف حتى لدى منشئه، فالتفكيك لدى دريدا "ليس تحليلا analyse ولا نقدا critique"، وليس "منهجا ولا يمكن تحويله إلى منهج"، كما أنه "ليس حتى فعلا أو عملية"، ليختم بالقول: "ما الذى لا يكون التفكيك؟ كل شيء! ما التفكيك؟ لا شيء!".

• مفهوم الاختلاف"différance":

تعددت ترجمات هذا المفهوم واختلفت من باحث إلى آخر؛ فقد تفطن كاظم جهاد، مترجم مجموعة من نصوص دريدا تحت عنوان "الكتابة والاختلاف"، إلى صعوبة ترجمة هذا المفهوم، ولذلك اقترح ترجمته بالاختلاف، وكتابتها على هذا الشكل:"الاخـ"ت"لاف""بوضع التاء بين قوسين"، على أن يكون هذا الإجراء مؤقتا فى انتظار أن يتمكن هو أو غيره من المترجمين اقتراح بديل له أكثر دقة ونجاعة.

يقول جهاد:"... وهذا ما دعانا إلى التدخل فى كتابة المقابل العربى نفسه "على نحو مؤقت"، فكتبنا: "الاخـ"تـ"ـلاف"، داعين القارئ إلى أن يتعرف، داخل كلمة "الاختلاف" نفسها، وبعد وضع حرف "التاء" بين قوسين، على فعل "الإخلاف": إخلاف الهوية موعدها مع ذاتها وإحالتها إلى "الآخر" باستمرار".

أماعز الدين الخطابى وإدريس كثير فقد اقترحا كتابة الاختلاف على هذا الشكل: "الاختلـ"ا"ف""بوضع الألف بين قوسين"، وأكدا على الطابع التقنى لهذه المسألة وذلك لتعدد معانى هذا المفهوم.

أما عبد الوهاب المسيرى فيترجمها بـ"الاخترجلاف"، فقد عمد إلى كلمتى "الاختلاف" و"الإرجاء" فنحت منهما هذه الكلمة الجديدة لتقابل كلمة "la différance" فى اللغة الفرنسية التى نحتها دريدا من كلمتى "différer" بمعنى "أرجأ" و"أجل" و"La différence" بمعنى "التباين" و "الاختلاف".

ويترجمها عبد العزيز بن عرفة بـ"الاختلاف المرجأ""بتضعيف حرف الجيم". وهدى شكرى عياد بـ"الاختلاف المرجأ""دون تضعيف حرف الجيم". ويترجمها فريد الزاهى بـ"المغايرة".

وأنور مغيث ومنى طلبة بـ"الإرجاء"، وفتحى إنقزو بـ"الإخلاف". ويقترح عبد السلام بنعبد العالى كلمة "مباينة"، ويبرر هذا الاقتراح بكون مادة هذه الكلمة "ب.ي.ن" تدل فى "لسان العرب" لابن منظور على الاختلاف والتمايز، كما تدل، أيضا، على معانى البون والابتعاد والمسافة.

غير أن هذه الكلمة، وإن كانت جامعة لهذه المعاني، فإنها ليست مانعة لدخول معانى أخرى تصل إلى حد التعارض مع بعض هذه المعاني، بحيث تدل على معنى آخر مضاد لمعنى الفصل والابتعاد، وهو معنى "الوصل"، إضافة إلى معانى الظهور والوضوح والفصاحة. وقد تنبه ابن منظور إلى احتواء كلمة "بين" على هاتين الدلالتين المتضادتين حيث يقول: البين له معنيان متضادان هما: البين ويكون للفرقة والبين ويكون للوصل.

إن هذا المفهوم مثل غيره من مفاهيم دريدا غير محدد ولا واضح المعالم حتى تسهل ترجمته، فهو لا يشكل، بحسب دريدا، مفهوما. كما أنه ليس كلمة ولا فكرة.

وهو أيضا،" ليس ثابتا أو متطورا، وليس بنائيا أو تاريخيا."" " و"ليس كائنا حاضرا مهما جعلناه فريدا ورئيسيا ومتعاليا. فهو لا يسيطر، ولا يتحكم ولا يمارس أى سلطة فى أى مكان. كما أنه لا يبدأ بحرف كبير. وليس الأمر فقط أن الاختلاف المرجأ لا مملكة له، بل إن الاختلاف المرجأ يبلغ أن يكون تدميرا لكل مملكة. وهذا بالطبع ما يجعله تهديدا ومثيرا للخوف لدى كل من يرغب فى عالم فى داخلنا، سواء أكانت حاضرة فى الماضى أم فى المستقبل."" " وهو بعد كل هذا "ذلك العنصر الذى لا يمكن إدراكه".

إنه، ببساطة، لا شيء رغم أنه "أساس" كل شيء!

لا يشكل الاختلاف "différance" كلمة ولا مفهوما لأنه لا وجود له – بهذا الشكل– فى قاموس اللغة الفرنسية، بل هى كلمة جديدة اصطنعها دريدا، ويكتبها بحرف "a" عوض حرف "e" "différence" الذى تكتب به فى اللغة الفرنسية. ويحتل حرف "a" مساحة كبيرة أثناء كل حديث عن الكلمة، ويكثر التساؤل حول دلالته وأبعاده.

ويكتب دريدا الاختلاف بحرف "a" عوض "e" لأنه لاحظ، أولا، أن الحرف "a" يكتب ويقرأ، ولكن لا يمكن سماعه، مما يعنى أن الكتابة هى الوسيلة الوحيدة التى من خلالها يمكننا مقاربة هذه الكلمة، لأن الاختلاف بين الحرفين مما يتعذر على السمع إدراكه.

فهو، إذا، اختلاف خطى محض. ودريدا، بقيامه بهذا العمل، يقوض دعائم ميتافيزيقا الحضور وأسسها القائمة على التمركز حول الصوت المنطوق، ومقولات وضوح الكلمة المنطوقة وحضورها، وخطر الكتابة على الصوت فى نقل الحقيقة الحية وتداولها... وبالمقابل يؤكد أهمية الكتابة ووضوحها، ويقوى من فعاليتها الدلالية والفلسفية.

إن دريدا، بهذا الإجراء، يقلب المعادلة التقليدية، فيضحى النطق هو الثانوى قياسا إلى الكتابة، لأنه كشف عن عجزه على إظهار الصوت. إن الصوت – فى هذه الحال – يشكل خطرا على الكتابة. وكل هذا سيوجه اهتمامنا نحو كل ما هو مكتوب.

ويلاحظ دريدا، ثانيا، أن كلمة الاختلاف بحرف "e" "différence" ذات معنى واحد، فهى تدل على الاختلاف بمعنى التمايز وعدم التطابق، وتفتقر إلى معانى الإرجاء والتأجيل والإحالة. إنها ذات بعد مكانى فقط، فى حين تعمل كلمة différance – التى تحيل إلى الفعل différer، والذى قياسا عليه ابتكر هذا الاسم – بمعنيين اثنين: فهي، أولا، تدل على الاختلاف، بمعنى المغايرة وعدم المطابقة، وتدل، ثانيا، على الإرجاء والتأجيل والتأخير...

للاختلاف différance، إذا، معنى مزدوج، فهو أولا:

"1- فعل يراد به التأجيل إلى ما بعد، وأخذ الزمن والقوى بعين الاعتبار، فى عملية تتضمن حسابا اقتصاديا، دورة، مهلة، تأخيرا، احتياطا، وكلها مفاهيم يمكن أن ألخصها فى كلمة: التأجيل temporisation.

2- المعنى الآخر لـ différer "باين"، هو الأكثر شيوعا والأكثر قبولا للتحقق: ألا يكون مطابقا... ألا يكون آخرا... غيرية من التباين أو من النفور والسجال... من اللازم أن يحدث بين العناصر الأخرى، وبشكل صريح وديناميكي، فاصل، مسافة، فسحة Espacement".

وهكذا يكون لمفهوم الاختلاف "La différance" بعدان متعارضان: مكاني، وترتبط به معانى المغايرة والتمايز، وزماني، وترتبط به معانى الإرجاء والتأجيل... وهى مفاهيم تتعارض فيما بينها تعارض الآن والبعد، الحاضر والمستقبل، الإيجاب والسلب، الذات والآخر... بل وتصل إلى حد التناقض الصريح، وهو ما يجعل الكلمة "مسرحا لحرب داخلية".

يصل دريدا بالاختلاف بين الدال والمدلول، والانفصال بين عالميهما، إلى أقصى نقطة ممكنة. من هنا خطورة مقولة الاختلاف فى المنظور التفكيكي، كونها تسمح بقيام اللعب الحر واللامنتاه للدوال، وكونها، أيضا، تعمل على تبديد فكرة الحضور التى تحكم كل محاولة للبحث عن معنى محدد ومدلول نهائي، وهو ما يعنى أنه لا وجود لمعنى يكون نهائيا وحاضرا، بل إن كل معنى هو مختلف وغائب ومؤجل باستمرار، وذلك لغياب مركز مرجعى خارجى ثابت ونهائى يمكن الإحالة إليه، يوقف عملية اللعبة، ويكون ضامنا للحقيقة والدلالة.

يقول دريدا: "...إذا كانت القراءة لا تكتفى بأن تعيد النص وتكرره، فإنها لا تستطيع بصورة مشروعة أن تتعدى النص إلى شيء آخر مختلف عنه، إلى مرجع "واقع ميتافيزيقي، تاريخي، واقع نفسي، بيولوجي.. إلخ".

أو إلى مدلول خارج نص يحدث مضمونه، أو يمكن لمضمونه أن يحدث، خارج اللغة، أى بالمعنى الذى نعطيه هنا لهذه الكلمة، خارج الكتابة بوجه عام. ولهذا السبب فالاعتبارات المنهجية التى نجازف بها هنا من خلال أحد الأمثلة تعتمد بشكل وثيق على قضايا عامة قد بلورناها فيما سبق، وتتعلق بغياب المرجع أو المدلول المتعالي، لا يوجد ما هو خارج النص".

• مفهوم علم الكتابة "Grammatologie":

أحب أن أستهل الحديث عن ترجمة هذا المفهوم بهذا المقطع الحوارى - الذى أعتذر سلفا عن طوله- لأنه يلخص لنا مجمل المشاكل التى تعانى منها الترجمة العربية والتى ألمحنا إليها سابقا.

- عبد الملك مرتاض: "ولعل من أشهر من تناول النص بالتحليل بارط... وجاك دريدا خصوصا فى عمليه:"فى علم النحو، والكتابة والاختلاف"...".

- جابر عصفور: "... أرجوا منه أن يصحح بعض أخطاء الترجمة الموجودة فى الورقة وهى كثيرة، والذى لفت عينى على وجه التحديد ترجمة كتاب دريدا .. فى علم النحو.. هذه ترجمة خاطئة، كتابه بالفرنسية صحيح جراميتولوجية وبالانجليزية أنجراماتولوجي، لكن سواء كنا ننقل عن الفرنسية أو الانجليزية فترجمة اسم الكتاب بعلم النحو هى ترجمة خاطئة لأن ما يقصد إليه دريدا "بجراماتولوجي" هو الكتابة...

فأرجو فى المستقبل الاهتمام بهذه الترجمات وألا يقتصر الأمر على العنوان، لأن عنوان الكتاب خارج سياق الكتاب وبعيدا عن قراءة الكتاب نفسه عمليا يمكن أن يؤدى إلى ترجمات مضللة...

- عبد الملك مرتاض: "بالنسبة للترجمة فعلا أنا كنت على عجلة والكتاب فى الحقيقة لا أملكه "دى لاجراماتولوجي" هذا الكتاب لا أملكه فى مكتبتي... وأنا وقعت فى الخطأ الذى ارتكبه الآخرون فى الترجمة دون تمحيص".

يكشف هذا المقطع إذن عن سوء فهم بعض النقاد العرب لبعض مفاهيم التفكيك، فكثيرون ترجموا هذا المفهوم بـ"النحوية"، ومن هؤلاء إضافة إلى مرتاض، عبد الله الغذامى وسعد البازعي، قبل أن يتراجع عنها.

فقد كان الغذامى سباقا إلى هذه الترجمة. يقول فى سياق حديثه عن جاك دريدا: "وانطلاقة دريدا كانت مع صدور كتابه "of Grammatology" أى "فى النحوية" فى عام 1967 بفرنسا..." ولم يتوقف الغذامى عند حد ترجمة هذا المفهوم، بل إن هذه الترجمة الخاطئة قادته إلى الاعتقاد بأن هذا المفهوم هو النظم عند عبد القاهر الجرجانى حيث يقول:" وفكرة "النحوية" تذكرنا بالإمام عبد القاهر الجرجانى ودعوته إلى "النظم" وهو تظافر بلاغيات الجملة مع نحوها لتأسيس جماليتها بعيدا عن قيد المدلولات".

أما سعد البازعى فقد ترجم هذا المفهوم فى بداية الأمر بـ"النحوية" مثلما فعل الغذامى ومرتاض، واعتبرها الترجمة الأقرب إلى حقيقة هذا المفهوم، وانتقد ترجمة بعض النقاد له بـ"علم الكتابة".

يقول البازعي: "ولعل من المناسب الإشارة إلى أن معظم النقاد العرب قد ترجموا عنوان دريدا للكتاب بـ"علم الكتابة"، إذ ذهبوا إلى أن "الغراما" فى التراث الإغريقى تعنى النقش أو الحفر أو الكتابة، وأن مفردة "لوغيا أو لوغوس" تعنى العلم، وبهذا يصبح ربط المفردتين ببعضهما: علم الكتابة.

ولا شك أن مثل هذا الطرح يتناقض مع ما جاء به دريدا، إذ الحرف الذى يعالجه فى الكتاب ليس الحرف المكتوب وإنما المنطوق، ثم إنه يبدأ الكتاب بقسم عنوانه "الكتابة قبل الحرف"، كما يرى أن "الصوت أو اللفظ" هو نفسه "كتابة"

وكذلك يرى أن الفصل المبتذل بين الصوت بمفهومه العادى وبين الكتابة النقشية، إنما هو فصل ساذج وسقيم." ويؤكد البازعى هذا الأمر فى موضع آخر من الكتاب حين يقول: "ولا شك أن النحو هو أساس النظم وبالتالى تكون الجراماتولوجيا أقرب إلى النحوية منها إلى علم الكتابة أو الحروف، إلا إذا كان علم الكتابة يعنى النحو".

غير أن البازعى يعود فى دراسة أخرى ليترجم هذا المفهوم بـ"علم الكتابة" ولكن دون أن يبرر هذه المرة لماذا عدل عن ترجمته الأولى.

إن ترجمة هذا المفهوم بـ"النحوية" ترجمة خاطئة إذ لا علاقة لهذا المفهوم بالنحو، بل المقصود به هو علم الكتابة التى كانت منحطة فى التراث الفلسفى الغربى منذ سقراط إلى دى سوسير، والذى كان يعلى من شأن الكلمة المنطوقة، أما دريدا فقد أعلن موت هذه الكلمة ليفتح المجال أمام الكتابة لتشمل اللغة، ولتمتد إلى جميع المجالات والحقول الأخرى.

فإذا كانت اللغة، يقول دريدا، "تطلق على كل من الفعل والحركة والفكر والتفكير والوعى واللاوعى والتجربة والعاطفة، الخ..."، فإننا "نواجه اليوم نزوعا لإطلاق تسمية "كتابة" على هذه الأشياء جميعا وسواها: لا لتسمية الحركات الجسمانية التى تستدعيها الكتابة الحروفية أو التصويرية أو الايديوغرافية فحسب، وإنما كذلك على كل ما يجعلها ممكنة، ومن ثم، وفى ما وراء الجانب الدال، على الجانب المدلول عليه نفسه"، وهكذا سيمكننا الحديث عن كتابة رياضية وكتابة سياسية وعسكرية... إلخ." "

• مفهوم الأثر "Trace":

هذه هى الترجمة الحرفية لمفهوم "Trace" عند دريدا، وقد نتج عنها عند البعض سوء فهم لهذا المفهوم حتى اعتقد الغذامى أنه يعنى سحر البيان فى الحديث النبوى الشريف. يقول الغذامي: "وأهم ما نجده عند ديريدا هو مفهوم "الأثر"... و "الأثر" هو القيمة الجمالية التى تجرى وراءها كل النصوص ويتصيدها كل قراء الأدب وأحسبه هو "سحر البيان" الذى أشار إليه القول النبوى الشريف".

إن هذا الفهم لمفهوم الأثر عند دريدا فهم سطحى وساذج، إذ لا علاقة لهذا المفهوم بما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم حين سمع شعر حسان بن ثابت فقال:"إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة". فالرسول يتحدث عن التأثير الجمالى الذى يخلفه الشعر فى المتلقي، أما الأثر عند دريدا فهو شيء آخر كما سنرى.

إن هذا المفهوم يرتبط لدى دريدا بمفاهيم الاختلاف والكتابة والحضور؛ ذلك أن الاختلاف لا يمكن التفكير فيه بدون الأثر، لأن الأثر الخالص هو الإرجاء نفسه. والكتابة، وإن كانت ليست الأثر نفسه، فهى "تمثيل للأثر بصفة عامة." أما علاقة الأثر بالحضور فهى علاقة تعارض، إذ إن وظيفة مفهوم الأثر هى محو الحضور. من هنا، يحدد دريدا الأثر بأنه "كل ما يستعصى على أن يلخص فى حدود الحضور وحده.".

لكن، وبرغم هذا "التحديد"، فإن دريدا يؤكد أن الأثر، مثله مثل الاختلاف، "لا شيء"، لأنه، ببساطة، "ليس موجودا..."، ولا يمكن أن يوجد، لأن الوجود يعنى الحضور. يقول دريدا: "والأثر نفسه لا وجود له. فأن توجد معناه أن تكون، أى أن تكون موجودا، أى موجودا حاضرا ...".

وكما يعارض الأثر الحضور فهو يعارض مفهوم الأصل؛ فالأثر، كما يؤكد دريدا، "متناقض وغير مقبول فى منطق الهوية. إن الأثر لا يعنى فقط اختفاء الأصل، إنه يعنى هنا – فى الخطاب الذى نتبناه والمسار الذى نتبعه- أن الأصل لم يختف، إذ إنه لم يتكون يوما إلا فى مقابل اللا-أصل، أى الأثر، الذى يصبح هنا أصل الأصل".

هكذا يتضح كيف أن الأثر يعمل على إلغاء الحضور والأصل ليحل محلهما، "وهذا يعنى استحالة الوصول إلى الحضور الكامل والمدلول المتجاوز الذى يقع خارج نطاق الحسية المباشرة والنص، كما يعنى استحالة الوصول إلى أى معنى، فالمعنى متناقض غير محدد ولا يمكن التوصل إليه.

 

 

عودة إلى الخطاب الفلسفي العربي