Arabic symbol

 

 

 

 

فلاسفة العرب

  عقبات امام المشروع العربي 2/2
أربعة شروط لبناء الدولة العصرية
 
بحث مخصص
 

 

العرب أونلاين

27 أغسطس 2008

أزراج عمر

في الحلقة الماضية من هذا المقال قدمت عرضا لتصورات المفكر المغربى الدكتور عبد الله العروى لمشكلة الدولة ومفهومها فى الثقافات، والفلسفات والتجارب السياسية الإنسانية.  

ومن الواضح أن العروى يخصص أيضا مناقشة حول واقع الدولة فى الفضاء العربي- الإسلامى مبرزا نقاط ضعفها وما ينبغى عمله لعلاجها وتجاوز الأزمات التى تتخبط فيها.

وفى الواقع فإن البانوراما العامة للأفكار ككل يمكن تلخيصها فى مجموعة من النقاط التالية:

1 - انعدام أرضية فلسفية لأخلاقيات الدولة فى الحياة العربية الأمر الذى يجعل الدولة تراوح بين كونها صدى للأزمات حينا، وبين الاكتفاء بتسيير الأزمات البنيوية فى المجتمعات العربية.

2 - إن تحليل ما ندعوه بأدبيات الفكر العربى النهضوى يكشف عن ثلاثة مفاهيم للدولة مسيطرة على هذا الفكر من الناحية النظرية، وعلى مستوى الممارسة فى الميدان، هناك مفهوم دولة الشيخ، ومفهوم دولة داعية الليبرالية، ومفهوم دولة داعية التقنية.

فالشيخ يؤمن لحد الانغلاق والتزمت بأن أزمة الدولة العربية تعود من حيث الأساس إلى عدم بنائها على العقيدة الدينية، أى على أيديولوجية السماء.

ويعتقد داعية السياسة الليبرالية أن المشكلات تنبع من تغييب التنظيم السياسى فى إطار أيديولوجية المجتمع الليبرالى المفتوح. وبالمقابل فإن داعية التقنية يرى بأن مستقبل نجاح الدولة مشروط بالمصانع وليس بالجوامع.

نحن إذن أمام ثلاثة مشاريع للدولة فى الفكر العربى السياسى المعاصر. ويلاحظ بأن دولة الشيخ قائمة مسبقا فى الماضى البعيد، وتحديدا فى النموذج الإسلامي، أى دولة الخلافة.

وبتعبير آخر فإنها دولة يمكن تحقيقها عن طريق استنفار النوستالجية، وليس عن طريق إعمال الفكر فى اللحظة التاريخية المعيشة فى الحاضر، وتعقيداتها على مستوى البنيات الثقافية، والاقتصادية، والأخلاقية، والاجتماعية، والنفسية، وعلى مستوى الشروط الدولية. كما أن دولة الداعية السياسية تنحو نحو الليبرالية. فهى بدورها ناجزة فى النموذج الأوروبي- الغربى ولا ينقصها إلا تطعيمها بالخصوصية الوطنية من حيث الشكل. إلى جانب هذا الفهم لداعية الليبرالية هناك الاعتقاد الثابت لدى داعية دولة التقنية. فهو يراها أيضا قائمة فى نموذج تكنولوجيا الدولة- الأمة الغربية.

وهنا يحاجج هذا الرجل- الداعية بأن المهمة تتمثل فى إضافة بعد الإيمان لصنع تركيبة وخلاصتها هى دولة التقنية المؤمنة التى يتجاور فيها المصنع والجامع كأخوين شقيقين بعد إدخال المصنع المستورد فى دين الأمة المسلمة، وغسله من الكفر.

وفى نصوص المثقف الجزائرى مالك بن نبى تصور، وفلسفة للدولة. فهو يؤمن بأن المسلم ينظر دائما إلى السماء حيث يبحث عن الله. أما الغربى فينظر إلى الأرض، أى أنه يبحث عن الأشياء. فهو أيضا يريد أن يكون مفهوم الدولة مؤسسا على فكرة السماء، وليس على فكرة الأرض وأشيائها.

على أساس هذا يرى مالك بن نبى بأن الحضارة مؤسسة دائما على الدين، أى على الفكرة رغم أنه يذكّر قراءه بأن عناصر الإنسان، والزمان، والتراب ضرورية ومكملة.

كما نرى فإن مشكلة الفكر العربى المعاصر تتمثل فى عدم بلورته، وتطويره لمفهوم، أو لمفاهيم الدولة خارج الأطر الموروثة عن الغرب، أو الموروثة عن العصر الذهبى للإسلام البعيد، والذى لم يجد فى وقتنا من يتطابق معه معرفيا، وأخلاقيا وروحيا داخل المجتمعات العربية.

إذن فإن مفاهيم هذه الدولة المختلف حولها لا توجد إطلاقا إلا فى النماذج الناجزة مسبقا. إن التشبث بهذا النوع من الفكر الماضوى يفصح مع الأسف عن سمة خاصة بالثقافة السائدة عندنا، وهى أن الذى يفكر فينا هو الماضى ونماذجه، وليس الحاضر فى بحثه عن صيغ جديدة للمجتمع والدولة.

وفى الواقع، فإن كتابات مالك بن نبى بدءا من مؤلفاته المبكرة مثل كتاب شروط النهضة إلى كتبه التى يعالج فيها مشكلة الاستعمار مهمومة بقضية بناء الدولة وفقا للنموذج الإسلامي.

إن مالك بن نبى مشغول نظريا بإرساء معالم الحضارة كأساس قاعدى للدولة ببلداننا.

وفى الواقع، فإن مشكلة الأفكار فى العالم الإسلامى تمثل لديه البدايات لحل مشكلة الدولة. فهو يرى أن هناك ثلاثة عناصر للحضارة وهى الإنسان، والتراب، والوقت. ونفهم من ذلك أن بناء الدولة مشروط بهذه العناصر الثلاثة: وهنا نجده يولى أهمية لفكرة التوجيه.

وفى هذا السياق يقول "وحاصل البحث أن قضية الفرد منوطة بتوجيهه فى نواح ثلاث: أولا: توجيه الثقافة، ثانيا: توجيه العمل، ثالثا: توجيه رأس المال"1.

إن فكرة التوجيه بالنسبة لمالك بن نبى تعنى "قوة فى الأساس وتوافقا فى السير ووحدة فى الهدف"2. كما أن التوجيه يعنى أيضا "تجنب الإسراف فى الجهد وفى الوقت"3. بالتأكيد، فإن مالك بن نبى لا يناقش صراحة مشكلة الدولة، بل هو معنى بالشروط الحضارية للمجتمعات الإسلامية ككل. ورغم ذلك، فإنه يمكن لنا أن نستعمل توصيفه لمعالم وشروط الحضارة كأسس للدولة ومعمارها.

مما لا شك فيه أن عناية مالك بن نبى بالأفكار، والثقافة والأخلاق أمر ملفت للنظر. فهو يعتقد أن الثقافة تحتل مركزا أساسيا فى البناء الحضاري، ومواجهة التخلف لقهره، وتجاوزه. وهكذا نجده يدعو إلى ضرورة تحديد تعريف الثقافة على ضوء حالتنا الراهنة، وحسب مصيرنا. وهنا يقدم هذه العناصر التى يعتقد أنها جوهرية، وضرورية للثقافة وهي:
1- الدستور الخلقي.

2- الذوق الجمالي.

3- المنطق العملي.

4- الصناعة، أى التقنية"4.

إن هذه العناصر فى رأى بن نبى تشكل القاعدة لأية نهضة حقيقية. ويبدو أن بن نبى يولى مكانة خاصة للذوق الجمالى حيث إنه لا ينفصل عن الأخلاق، والممارسة العملية فى مجالات الإنتاج المادى والفكري، والفني، فالأخلاق عند بن نبى مرتبطة بالمجتمع، وبهذا الخصوص كتب قائلا "لسنا هنا نهتم بالأخلاق من الزاوية الفلسفية، ولكن من الناحية الاجتماعية.

وليس المقصود هنا تشريح مبادئ خلقية، بل أن نحدد "قوة التماسك" الضرورية للأفراد فى مجتمع يريد تكوين وحدة تاريخية"5. وهنا نفهم بأن الأخلاق تعتبر رديفا لعمليات تكوين الروابط بين الأفراد فى المجتمع.

ويرى مالك بن نبى أن معنى كلمة الدين "Religion" فى اللغة اللاتينية "هو الربط والجمع"6.

وفى سياق تحليله للوازع الأخلاقى نجده يؤكد بأن قوة التماسك "مرتبطة فى أصلها بغريزة الحياة فى جماعة عند الفرد، والتى تتيح له تكوين القبيلة والعشيرة والمدنية والأمة"7. وكما نرى فإن بن نبى يستعيد فكرة ابن خلدون القائلة بأن الإنسان مدنى بالطبع.

وفى الحقيقة، فإن عنصر التوجيه الجمالى الذى يتمسك به بن نبى كبعد أساسى للثقافة، وللدولة يستحق أكثر من وقفة تحليلية. فالجماليات فى تقدير بن نبى تكتسى أهمية اجتماعية "ولا شك أن للجمال أهمية اجتماعية هامة، إذ ما عددناه المنبع الذى تنبع منه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد فى المجتمع"8.

وأكثر من ذلك فإن "الإطار الحضارى بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الإطار الذى تتكون فيه أية حضارة، فينبغى أن نلاحظه فى نفوسنا، وأن نتمثل فى شوارعنا وبيوتنا ومقاهينا مسحة الجمال نفسها، التى يرسمها مخرج رواية فى منظر سينمائى أو مسرحي"9.

وفى الواقع، فإن الدولة المعاصرة تقاس درجة رقيها وتقدمها وأخلاقها بمستوى ونوعية الجماليات. ويلاحظ أن انحطاط الأخلاق يتزامن بانحطاط الذوق الجمالى فى كل المجتمعات.

ومما لا شك فيه أن المعمار وتشكيل الفضاء، واختيار الموقع عناصر تلعب أدوارا حاسمة فى تشكيل نفسيات الأفراد فى داخل المجتمع.

وهنالك علماء متخصصون فى دراسة الأثر المتبادل بين المحيط الجمالي، وبين السلوك والإنتاج فى جميع الميادين.

ويذكّر مالك بن نبى بأن المنطق العملى له دور فعال فى البناء الحضاري.

وهنا نجده يتذمر ويشكو من خلل فى هذا المنطق فى مجتمعاتنا.

ويحدد هذا الخلل فى مصطلح هو اللافاعلية "إننا نرى فى حياتنا اليومية جانبا كبيرا من اللافاعلية فى أعمالنا، إذ يذهب جزء كبير منها فى العبث والمحاولات الهازلة وإذا ما أردنا حصرا لهذه القضية فإننا نرى سببها الأصيل فى افتقادنا الضابط الذى يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، بين فكرة وتحقيقها، فسياساتنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا، وإن ذلك كله ليتكرر فى كل عمل نعمله وفى كل خطوة نخطوها"10.

إن افتقاد دولنا للمنطق العملي، وللفاعلية يمثل مشكلة كبرى لم تعالج إلى حد الآن علاجا جديا.

وفى الواقع، فإن أزمة الدولة عندنا تنبع جزئيا من كونها تفتقد إلى الفاعلية، وإلى الدستور الخلقي، والذوق الجمالي، والمنطق العملي، والمنهجية العلمية فى التعاطى مع قضايا التنمية فى ذلك الإنسان.

هامش
جميع المقتطفات من 1 إلى 10 مقتبسة من كتاب "شروط النهضة" لمالك بن نبي