Arabic symbol

 

 

 

 

فلاسفة العرب

الهُوية العربية وأسئلة الثقافة العربية الراهنة

 
بحث مخصص
 

 

د. طيب تيزيني

 د. طيب تيزيني

جريدة الاتحاد الإماراتية 22 سبتمبر 2008

                                                                                                   

تداعى رهط من المفكرين والباحثين والمثقفين والسياسيين العرب إلى ندوة فكرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، انقسمت موضوعاتها إلى قسمين ظهرا في عنوانها، وهما "أسئلة الهوية العربية" و"أسئلة الثقافة العربية". وكان هذا التقسيم متوافقاً مع البنية المنطقية والدلالية للعنوان، بحيث نُظر إلى القسم الأول على أنه التأسيس المنهجي والنظري للقسم الثاني. بيد أن الأمر إذا كان صائباً على هذا المستوى، فإنه في مستوى التطبيق سار - بقدر معين- في نحو آخر. فلقد أتت بحوث القسمين مختلطة في كثير منها؛ مما أضعف عملية التخصيص والحوار فيما أتى فيهما من مسائل وقضايا. ولعلنا نرى في ذلك بعض الضعف في منهجية البحث الفكري العلمي في الفكر العربي المعاصر.

فالباحث، والحال كذلك، يجد نفسه على حدود وتُخوم كل المسائل والقضايا، التي تكوّن المحور أو العنوان العام للندوة. فبالرغم من (تقسيم العمل)، في هذه الأخيرة بين مجموعة من الباحثين، فإنه يلاحظ أن عدداً من هؤلاء خرجوا عن حدود تقسيم العمل المذكور، فراحوا يكتبون في كل المحور وليس في المسألة التي خُصّوا بها. فحدث خلل ليس على صعيد المسار التنظيمي للندوة فحسب، بل كذلك في عملية الإنتاج المعرفي القائم، هنا، على ضرورة توليد المعرفة واستنباطها والسير بها إلى أمام.

في سياق ذلك، جرى وضع اليد على مجموعة من الأفكار، التي كانت فيما مضى، أي قبل عِقد ونيّف من السنين، مرفوضة أو ضئيلة المصداقية. من ذلك تبرز فكرة التأليف بين العلمانية والدين ومن ثم التآلف بينهما؛ مع الإشارة إلى أن الأولى تتحدد بكونها منظومة من المفاهيم والآليات السياسية والنظرية، وبأنها من ثم لا تتأسس على مبادئ تمسّ الدين بنحوٍ أو بآخر. وعلى هذا النمط، تسقط "الثنائيات"، التي هيمنت في عصر الحداثة. فإلى جانب ثنائية العلمانية والدين، تبرز ثنائية العدل والحرية وثنائية العقل والضمير أو القلب. وخلاصة الأمر تقوم على تجاوز مفهوم التقاطب والاستقطاب، بحيث إننا دخلنا في عصر المؤالفة والمساومة والتهدئة، على الأقل بسببٍ من أن هيمنة الأحادية والاستفراد بالمواقف يمكن أن يقودا إلى سقوط العالم بصراعات مسلحة مفتوحة.

والثنائية التي جرى تركيز منهجي عليها، تقوم بين العدل والحرية؛ فإما هذا وإما ذاك. إذ في هذه الحال، يجري التأكيد على أن "العدل" إنما هو الهدف بذاته، وأنه إذا قُرن بـ"الحرية"، فإنه سيتصدع تحت قبضة نمط من الليبرالية الجشعة أبداً. وكذا الحال بالنسبة إلى الحرية. وقد هيمن هذا التصور الفكري لعقود طويلة في الفكر السياسي العالمي والعربي، وجرى تأسيسه على القاعدة التالية: العدل من شأن الفقراء والمعوزين، في حين أن الحرية من شأن الأثرياء البورجوازيين ومَنْ ينحاز إليهم نظرياً وعملياً. ومن موقع ذلك، انقسم العالم وانقسمت المجتمعات إلى فريقين اثنين، فريق "العالم الحر" وفريق "العالم الاشتراكي".

كانت تلك مسائل مهمة وجدت من يطرحها ويناقشها بروح حملت ثلاث سمات قد تكون مدخلاً سليماً للحوار في الفكر العربي المعاصر، تلك هي الإقرار بالآخر إقراراً غير مشروط إلا بالاحترام والندية أولاً، والعقلانية بمثابتها طريقاً دقيقاً وحاسماً للوصول إلى المُشتركات بين المتحاورين بل كذلك إلى نقاط الخلاف ثانياً، والتسلح بالمناهج والأدوات والآليات الفكرية المتقدمة على هذه الطريق ثالثاً. ولعل كلمة أخرى أخيرة ينبغي الإفصاح عنها في هذا السياق، وهي أن ما حدث في الندوة العتيدة المذكورة كان - كذلك- تجربة ناجحة من حيث الحوار بين الثقافي والسياسي، بين العمل الثقافي والمعرفي التأسيسي والعمل السياسي المستنير برؤية استراتيجية وبأفق وطني وقومي ديمقراطي يجد أقصى أهدافه في إخراج هذا الوطن من احتمالات أخطرها يكمن في إنهائه.
 

عودة إلى قائمة الخطاب الفلسفي - سؤال الهوية