Arabic symbol

 

 

 

 

فلاسفة العرب

ندوة الرقة بين التنظير والتسييس: العروبة والاسلام والهوية الضائعة

 
بحث مخصص
 

 

أنور بدر

القدس العربي - 14 أكتوبر 2006

الرقة ـ (سورية) ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: كما عودتنا الرقة ومديرية ثقافتها، لم تتأخر كثيراً في التقاط هواجس وعلامات الاستفهام التي أفرزتها الحرب العدوانية الاسرائيلية الأخيرة علي لبنان، فانتقلت من ندوة ثقافة المقاومة الي ندوة جديدة بعنوان العروبة والاسلام ، ايماناً بأن أية مقاومة لا تستند الي الكتلة التاريخية سوف يتبخر جهدها وتُهدر انتصاراتها بشكل سريع، والكتلة التاريخية لا تبني أو تتشكل الا من خلال هوية واضحة المعالم والانتماء.

فهل تشكل العروبة والاسلام مكونات هذه الهوية كما يؤكد الأستاذ حمود الموسي مدير ثقافة الرقة في تقديمه لهذه الندوة؟ مضيفاً أن لا تعارض بينهما، بل كان التعارض بين التجليات الهيكلية والتنظيمية للحركات السياسية التي صدرت عنهما- وهو محق في ذلك بلا ريب- تاركاً لنخبة من الأكاديميين والباحثين العرب مهمة استيلاد الأسئلة قبل البحث عن الأجوبة.

لكننا نلاحظ قصورا تحت هذا السقف، فالباحث عبد الله حمودة من الأردن، خرج عن محور محاضرته العروبة والاسلام عند مفكري النهضة ليثير مجموعة من الملاحظات حول الحركة القومية العربية، مع تمسكه بأيديولوجيا شعاراتية في رفضه أي انتقاد لهذه القومية، سواء جاء من الاتحاد السوفييتي (سابقاً) أو الأستاذ غسان سلامة وصولاً الي الرئيس القذافي.

وبعد استفاضة مع الأحداث التي تتعرض لها الأمة العربية في فلسطين والعراق ولبنان، يعود للتأكيد الجازم وحتماً ستنهض الأمة وتنتصر، وذلك يتوقف علي الاستفادة من ثغرات الحركة القومية في القرن الماضي وصولاً لنهوض حركة قومية عربية شاملة، خاصة وأن كل أسباب الانتصار الموضوعية متوفرة من حيث الجغرافيا والتراث والتاريخ والمصالح المشتركة، ولكن المطلوب العامل الذاتي .

كذلك فعل الدكتور أشرف بيومي من مصر فهو لم يتكلم عن موضوعه العروبة والاسلام بين التحرر والتبعية بقدر ما توقف مع الحدث اللبناني بدلالاته السياسية كانتصار للمقاومة، مؤكداً علي ضرورة القطيعة مع الخارج متهماً كل منظمات المجتمع المدني التي تقبل التمويل الأجنبي بكونها أدوات خطيرة وفعالة لافساد واحتواء المثقفين وتبني المشاريع الامبريالية في تناقضها مع الأولوية الوطنية، مؤكدا رفضه القاطع لأي استقواء بقوي الهيمنة الأجنبية.

وهو لم يخف خصوصية هذه المسألة في مصر تحديداً، لذلك أخذنا في حديث مطول حول أوراق ومعلومات من الانترنيت تبدأ بكامب ديفيد ولا تنتهي عند ما يجري في العراق.

الدكتور أحمد بهاء الدين شعبان كان منسجماً مع موضوعه العروبة والاسلام في مواجهة مشروع الشرق الأوسط الجديد مستفيداً من دروس حرب مقاومة العدوان الاسرائيلي الأمريكي علي لبنان، وهي برأيه:


1 ـ ارادة المقاومة أقوي من التكنولوجيا
2 ـ اعادة اكتشاف شعار حرب التحرير الشعبية
3 ـ هناك حدود للقوة مهما كانت قدرتها علي البطش

مضيفاً التأكيد علي العلاقة العضوية التي لا تنفصل بين أمريكا واسرائيل، وأن النظم العربية التابعة والعميلة قد انضمت الي معسكر الأعداء في هذه الحرب الأخيرة بشكل سافر، مما أدي الي تمايز رأسي في الوطن العربي بين معسكر المقاومة مقابل معسكر أعداء الشعب، خاصة بعدما اتسعت الفجوة بين معظم النظم العربية وبين شعوبها، حتي بات من المستحيل تجسيرها. والملاحظة الأخيرة والأهم بالنسبة له ولغيره من المحاضرين كانت حول زيف الديمقراطية التي تنادي بها الولايات المتحدة الأمريكية.

الدكتور محمد جواد فارس من العراق توقف مع النموذج العراقي في التقاطه لتحديات المرحلة، الحالة التي تواجهها العروبة والاسلام معاً بصفتهما استهدافاً للمشروع الامبريالي الأمريكي الصهيوني، فالعروبة هي القومية المطلقة للأمة العربية، والاسلام هو الدلالة علي التعاليم الاسلامية التي تناهض الاستبداد والقهر والظلم الاجتماعي والفردي.

وبعد استطراد مع مجريات العدوان الأمريكي علي العراق، يصل الي:

 
1 ـ الاشادة بالمقاومة العراقية الوطنية الباسلة.
2 ـ العراق أيام صدام حسين لم يكن دولة ارهابية.
3 ـ زيف الادعاء بوجود أسلحة الدمار الشامل في العراق.
4 ـ الطائفية التي تظهر في العراق هي صناعة أمريكية منذ تشكيلة مجلس الحكم بقيادة برايمر.
5 ـ قامت الولايات المتحدة بتدريب المليشيات الكردية والطائفية معاً، ثم جري تنسيب الشيعية منها الي وزارة الداخلية باشراف الجنرال جيمس ستيل، والسنية منها الي وزارة الدفاع باشراف ستيفن كاستل، حيث تقوم وزارة الدفاع السنية بقتل الشيعة ، في حين تقوم وزارة الداخلية الشيعية بقتل السنة.
6 ـ ان المخاطر التي تواجه العروبة والاسلام تتجلي بأنصع صورها اليوم في الأيديولوجيا اليمينية التي تبشر بها وسائل الاعلام ومراكز الدراسات الأمريكية حول فاشية الاسلام كمقابل لتعبير العروبة الفاشية الذي أطلق في الخمسينيات.

***

الدكتور جورج جبور من سورية تحدث عن العروبة والاسلام في الدساتير العربية، فقال آن دستور سورية الذي صدر عام 1950، هو أول دستور عربي يرد فيه مفهوم الأمة العربية، وفي عام 1952 تم اقتباس هذا المفهوم في تعديل طرأ علي الدستور الأردني، وبدأ يتكرس لاحقاً في معظم الدساتير العربية، وكان السادات قد تراجـــع عنه بعد زيارته للقــدس عام 1977، ثم تمت العودة اليه في مصر، لكن الدستور العراقي الجديد يؤكد علي عروبة الشعب العراقي، مما اعتبره انتقاصاً في شمولية العروبة.
أما أول اثر اسلامي دستوري فيعود الي عام 1876 أيام السلطان عبد الحميد في الدولة العثمانية، وهي اشارة أخذت تتكرس في الدول العربية باعتبار الاسلام دين الدولة، وتم التراجع في بعض الدول الي اعتباره دين رئيس الدولة، لكن الدستور الدائم في سورية الصادر عام 1973 لم ينص في أي من مواده علي دين رئيس الدولة.

الباحثة والنائب السابق في البرلمان الأردني توجان الفيصل تحدثت عن مزايا الانتماء للعروبة والاسلام ومخاطر الأدلجة في كليهما، فأكدت أن القومية العربية فكرة جامعة لمكونات المجتمعات العربية باعتبارها حصيلة لغة وجغرافيا وعادات وتقاليد، كذلك الحضارة الاسلامية تمازجت مع باقي الحضارات والأديان في المنطقة، ولا حد فاصل بين الحضارات أو الأديان، لتخلص الي النتيجة الرشديّة في فصل الدين عن الدولة، واستبعاد كل أشكال الأيديولوجيا من مكونات الأمة.

فيما ذهب الدكتور الطيب تيزيني من سورية الي تسجيل ملاحظات أولية حول العلاقة بين العروبة والاسلام، باعتبارها علاقة شرطية متبادلة، لأن الأمة العربية أسبق من الاسلام تاريخيا، مما يفضي الي نتيجة ذات راهنية سياسية وسوسيوثقافية وربما كذلك حضارية، وهي أن العرب المكونين لهذه الأمة هم قاعدة التطور التاريخي الذي لحق بهم بكل ما تكون فيه من تجليات ثقافية ودينية ومن ضمنها الاسلام نفسه والنصرانية والمسيحية الشرقية...وانطلاقا من قول عمر بن الخطاب ان العرب مادة الاسلام يمكن القول أن الاسلام انطلق من العرب بكل مكوناتهم، ومثل الوريث الشرعي لكل ما أنتجوه من أفكار وتصورات وعقائد، بعد أن أعاد بناءها بمقتضي عصره.
أما المفكر الاسلامي أبو يعرب المرزوقي من تونس فتحدث عن دين العروبة للاسلام، مستفيضاً من معاني الماضي في التأسيس للمستقبل الاسلامي الذي يقود العرب فيه كل الحركات الاسلامية وأكثرها متهم بالارهاب من أفغانستان الي قطاني ومن الصومال الي العراق.

لكنه أفرد فصلاً للحديث عن علة انحراف المسلمين عن الثورة الاسلامية، جامعا اياها بالأدواء الخمسة:


ـ اثنين موروثين عن الماضي الذاتي الذي نفي حرية المعتقد القرآنية: وتجليا في صراع الملل وصراع النحل.
ـ واثنين موروثين عن الماضي الغربي الذي حرّف نظرية الاخوة البشرية القرآنية في صراع العرقيات وصراع الطبقات.
ـ ثم الداء الأصل: في تحريف فلسفة الدين وفلسفة التاريخ القرآنيتين.
داعياً أن يتخلص المسلمون من هذه الأمراض، لكي يعودوا الي لعب دورهم الكوني.

أخيراً تحدث الدكتور فاضل الربيعي من العراق حول نقاد العروبة وجدلية العلاقة بين العروبة والاسلام موضحاً أنّ النقد الأيديولوجي تحوّل الي صراع بين القوميين والاسلاميين فيما بينهم وبين ما عداهم من تيارات أيديولوجية في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وميّز بين القومية التي ظهرت في الغرب مع تطوّر وسائل الانتاج وبين الفكر القومي لدينا باعتبار العروبة رابطة شعورية لأنّ الأمة وجود مُحقق.

واذا كان نقد العروبة اجمالاً وطوال العقود الخمسة الأخيرة يتسم بكونه تعبيراً مكثفاً عن نقد شامل للنظام السياسي الذي تبني أيديولوجية القومية العربية أو قام باسمها، خاصة بعد هزيمة عام 1967 وما عنته من اخفاق وفشل لتجارب الحكم الوطني في التنمية والديمقراطية واسترداد فلسطين، الا أنّ اتساع رقعة نقاد القومية خارج اطار الاسلاميين والشيوعيين مع دخول ليبراليين جدد علي خط نقاد العروبة أفسح مجالاً لأفكار وصور نمطية قديمة عن القومية العربية باعتبارها نتاج الفكر الفاشي الأوروبي، لكنهم بذلك دفعوا الي تعظيم النموذج الديمقراطي الاسرائيلي مقابل النموذج القومي العربي.

***

هذه الملاحظة الأخيرة تفتح علي مسألة مهمة شكلت حضوراً عند المشاركين في الندوة سواءً كانوا من الأطياف الاسلامية أو القومية. وهي مسألة العداء لليبرالية وللديمقراطية باعتبارها سلعة امريكية عند البعض وغربية عند آخرين، واسرائيلية عند قسم ٍ منهم. وأنا لا أعلم لماذا لا يحق للشعوب العربية أن تنادي بالديمقراطية فيما اذا رفعت امريكا أو حتي اسرائيل هذا الشعار؟ ولو فرضنا أنّ امريكا رفعت شعار حرية المواطن أو رفاهيته مثلاً، فهل يكون لزاماً علينا أن نطالب بقمع المواطن أو تعميم البؤس والفقر عليه نكاية بما رفعوا هم من شعارات؟!!

المسألة الثانية أنّ نقاش العروبة والاسلام لا يتم الا في مواجهة الآخر، مع أنّ أي مواطن في مشرق الوطن العربي ومغربه يعرّف بنفسه أنه عربي ومسلم ـ فيما لو كان كذلك ـ دون أن يضع نفسه في مواجهة الآخر، فالهوية مكوّن ذاتي أكثر منها رد فعل علي مؤثر خارجي.

المسألة الثالثة والاهم في هذا السياق تتجلي بالنظرة الي الأقليات والإثنيات القومية والمذهبية في الوطن العربي، والتي يُصر مفكرونا القوميون أنهم عرب، وهم يرفضون ذلك، بينما يستطيع الاسلاميون استيعاب غالبيتهم باستثناء من اعتنق المسيحية في المنطقة وهم ليسوا أقلية بدورهم.

النائب في البرلمان الأردني توجان الفيصل اعتبرت في لفتة جميلة أنها رغم أصولها الشركسية تنتمي للثقافة والحضارة العربية الاسلامية كمكون اجتماعي وثقافي، مُتجاهلة أنّ هذا الاحساس لا يمكن أن ينمو في حال غياب حقوق المواطنة، وبالتالي نجد أنّ الأقليات المضطهدة من قبل أنظمة تعسفية تهضم حقوق شعوبها عرباً وغير عرب هم أكثر بحثاً عن هوية خاصة بهم، حتي لو كانت هوية معادية لتلك الأنظمة بمكوناتها الأيديولوجية والقومية.

فالدكتور محمد جواد فارس من العراق يعتبر أنّ العروبة هي القومية المطلقة للأمة العربية، مستنكرا ما جاء في الدستور بأنّ الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية، لأنّ العراق كله جزء من الأمة العربية، بعربه وكرده وتركمانه وآشورييه.... الخ.

وهذا ينسجم مع تعريف الأستاذ عبد الله حمودة من الأردن للعربي بأنه كل من يعيش علي الأرض العربية ويكتسب جنسية أي قطر فيها، بغض النظر عن كونه كردياً أو أرمنياً أو لأي طائفة ينتمي، كذلك يطالب الأستاذ جورج جبور الأقليات الإثنية في سورية التي لا تحبذ تعبير الأمة العربية، يطالبها بالانفتاح علي مفهوم الأمة العربية بعيداً عن النظرة الضيقة والنزعة العنصرية، لكنه يتجاهل التأكيد علي مفهوم وحقوق المواطنة لهؤلاء حتي يكونوا شركاء في بناء الوطن والدفاع عنه.

وحده الأستاذ حمود الموسي أشار في تقديمه للندوة الي دور العامل الذاتي، والصراعات الداخلية في ضياع الهوية القومية، فيقول تحاربت هذه القوي وحفرت خنادق من دم بين تخوم بعضها البعض في صراعاتها... بينما بقيت التحديات ـ التي كانت في الأصل مبرر قيامها ـ دون حلول، فلا الأرض حررت ولا أزمة الحريات حلت، بل امتلأت السجون والمعتقلات وهاجرت النخب الي الخارج، ولا العدالة الاجتماعية سادت بل غدونا مضرب المثل في أقصي درجات الغني وأشد حالات الفقر، ولا الوحدة تحققت بل تكاثرنا دولاً وطـــوائف ولم نستطع حتي الآن أن نصوغ شكل هويتنا...اضافة الي أننا ما زلنا بكامل عجزنا في مواجهة التخلف وتحديات التنمية .

من هذه المقدمة الهامة كان يمكن الانطلاق باتجاه البحث عن أسئلة أكثر الحاحا فيما يتعلق بمستقبل وجودنا الاجتماعي والسيـاسي، وبأقل قدر من الانشاء والأيديولوجيا التي لا تسمن من ضعف ولا تغني عن هوية.

 

عودة إلى قائمة الخطاب الفلسفي - سؤال الهوية