Arabic symbol

 

 

 

 

 

 

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة
فلاسفة العرب
 
بحث مخصص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الإسلام والعلمانية... رؤية اجتهادية مغايرة

 

 فاطمة حافظ

إسلام أونلاين  9 يوليو 2008

 

فاطمة حافظ

Image
غلاف كتاب رفيق عبد السلام
مسألة العلمانية واحدة من المسائل الكبرى المطروحة أمام الفكر الإسلامي المعاصر بما تفرضه من تحديات وتساؤلات، وعلى الرغم من كونها خضعت لمقاربات كثيرة فإن غالبية ما سطر في هذا المجال تشوبه آفتا الاختزال والأدلجة، ولعل هذا ما دفع الباحث "رفيق عبد السلام" للإقدام على اختيار هذا الموضوع المهم في أطروحته لنيل درجة الدكتوراه، التي قدمها لجامعة وستمنستر تحت عنوان "الإسلام والعلمانية والحداثة".

وبحسب رفيق، لم يكن الغرض من الدراسة تتبع مواطن الالتقاء ومواضع الافتراق بين الإسلام والعلمانية –كما نحت كثير من الأدبيات- بقدر ما استهدفت إعادة التفكير في المفاهيم النمطية الشائعة وفي مقدمتها مفهوم الإسلام على نحو ما تصوره الأدبيات الغربية، ومفهوم العلمانية واقترانه الحتمي بمفاهيم الحداثة والعقلانية والديمقراطية.

والإشكال الأساسي المطروح الآن هو: هل يمكن أن تشكل ممانعة الإسلام للعلمنة مناسبة لإعادة التفكير في نظريتي العلمانية والحداثة؟ وهل هناك إمكانية للتفكير في الإسلام بعيدا عن المفاهيم والصور النمطية الغربية؟.

معالم قراءة مغايرة

وقد تفردت قراءة رفيق للعلمانية بعدة خصائص يمكن إجمالها على النحو التالي:

قراءة معرفية: لم تشبها شائبة تغليب الأيديولوجي على المعرفي؛ إذ ظلت مشدودة في منطلقاتها وغايتها وأدواتها إلى الأطر المنهجية، ومبتعدة بالقدر ذاته عن التوظيف الأيديولوجي، وهو ما يفسر توقف صاحبها أمام عالم الأفكار وعدم تجاوزه إلى عالم الأشخاص.

قراءة تمحيصية: اختبر صاحبها المقولات والمفاهيم العلمانية الأساسية وبرهن على محدوديتها وضعف مقدرتها التفسيرية.

قراءة تفكيكية: استهدفت نقض البنى المعرفية والتاريخية التي تأسست عليها المقولات العلمانية.

قراءة تفصيلية مدققة: لم تقع في أسر التعميمات المخلة واستخدام التوصيفات الشائعة، وإنما بحثت في اختلاف النماذج التاريخية وتباين التأويلات المتعلقة بها.

هي باختصار قراءة اجتهادية ومغايرة بذل فيها صاحبها جهدا غير منكور، ولم يشبها سوى الإطناب في العبارة والتكرار في بعض المواضع.

مقاربة المفهوم

في مقاربته لمفهوم العلمانية ينطلق رفيق من حقيقة أن المفاهيم "ليست بالأمر المحايد وإنما هي حاملة لرهانات ومصالح كثيرة" ليقرر وجود حالة التباس دلالي واسعة تقترن باستخدام المفهوم، سببها خضوعه للخطاب الأيديولوجي العلماني بأكثر من خضوعه للتحقيق العلمي الجاد، ولعل هذا ما حدا به للتنبيه إلى صعوبة الاطمئنان إلى وجود تعريف محايد للمفهوم مشتق من الكتابات العلمانية.

وبدوره لم يشأ رفيق أن يتوقف طويلا أمام الدلالات النظرية لمفهوم العلمانية إلى حد أنه لم يقم بوضع تعريف لها، بل لم يرجح أحد تعريفاتها، مبررا ذلك بأن التعريفات تتفاوت بتباين الحقول المعرفية واختلاف زوايا النظر؛ فالسياسي يعرف العلمانية بأنها فصل الدين عن الدولة، أما عالم الاجتماع فيركز على انعكاسات العلمنة على السلوك الاجتماعي.

من جهة أخرى ليس هناك علمانية واحدة، وإنما هناك علمانيات متعددة هي نتاج تجارب تاريخية متفاوتة، بحيث يتعذر معها تبني تعريف يجمع شتات هذه العلمانيات، إلا أن هذا التعدد لم يحل دون أن يميز رفيق بين نوعين أساسين منها، وهما:

العلمانية الجوهرية: وهي فلسفة ورؤية للكون ذات نزعة عدمية إلحادية، تستهدف انتزاع المقدس من حياة البشر واحتلال المساحات التي كان يشغلها.

والعلمانية الإجرائية: وهي مجرد إجراءات تستهدف تنظيم الشأن العام بعيدا عن دائرة المقدس حفظا له من التوظيف السياسي، وهي بهذا المعنى لا تستهدف الإطاحة بالمقدس والحلول محله وإنما تستهدف تحديد مساحاته وضبط دوائر اشتغاله.

المسار التاريخي للعلمانية

ومن الإطار النظري إلى المسار التاريخي يتتبع رفيق الملابسات التاريخية التي رافقت صعود العلمانية في الغرب، كاشفا عن بعض الحقائق التي يتم التغافل عنها –بوعي أو دون وعي- في الأدبيات العلمانية، ومنها أن العلمانية لم تكن نتاجا عقلانيا هادئا ساقه بعض المفكرين الغربيين بقدر ما كانت حلا عمليا فرضته أجواء الحروب الدينية التي شقت أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، والتي انخرطت فيها الكنيسة بقوة؛ ما جعل من العسير عليها أن تنهض بوظيفة الوحدة مجددا بين الأطراف الأوروبية. ومن هنا نشأت الحاجة إلى بروز نظام جديد يجمع الشمل الأوروبي على أساس غير وحدة الدين، وفي ظل هذه الأجواء تخلقت العلمانية لتكون الإطار الناظم الجديد للوحدة الأوروبية.

وبالزامن مع صعود العلمانية وفي أتون الحرب الدينية الطاحنة تأسس مفهوم "التسامح" على يد بعض المفكرين الغربيين، بغرض معالجة الانقسام الحاصل داخل الكنيسة وبين الطوائف المسيحية المتنازعة. أي أنه صيغ بالأساس بحيث يتعاطى مع مشكلة الانقسام الأوروبي ولم يكن مصممًا بحيث يشمل الديانات غير المسيحية. وإلى ذلك يرجع رفيق فشل محاولات العلمانيات الغربية -انطلاقا من مفهوم التسامح- في التعاطي مع الإسلام والأقليات المسلمة في أوروبا، كما أخفقت من قبل في حل المشكلة اليهودية.

الدولة والدين في التجربة الغربية

من الحقائق التي يحرص رفيق على تأكيدها أن تجربة فرنسا في العلمانية ليست إلا واحدة ضمن تجارب علمانية عديدة في أوروبا، وبالتالي ليس هناك ما يدعو لتبني النموذج الفرنسي العلماني، كما يدعو غلاة العلمانيين؛ ذلك أن موقف الدول الغربية من الدين يتراوح بين ثلاثة أوجه:

الأول: خيار مصادمة الدين والاستيلاء عليه بقوة الدولة، كما هو حال فرنسا اليعقوبية والدول الشيوعية، وهو أنموذج تسلطي لا تكتفي الدولة خلاله بإضعاف الدين ورده إلى دور العبادة أو المجال الخاص، وإنما تسعى إلى انتزاع جذوره تماما بإزاحته كلية من وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية.

الثاني: خيار الانفصال الوظيفي بين الكنيسة والدولة، والالتزام بحيادية الدولة إزاء الشأن العام، كما هو حال الدول الإسكندنافية. ويشكك رفيق بقوة في التزام الدولة الحياد؛ مستندا إلى أن الدولة القومية الحديثة ذات نزعة تدخلية قوية، ومن الطبيعي أن تسعى للسيطرة على أدوات التعبير الرمزي والديني.

الثالث: خيار الربط الوظيفي بين الكنيسة والدولة، كما هو متبع في بريطانيا وإيطاليا واليونان وإلى حد ما الولايات المتحدة الأمريكية، التي فصلت دستوريا ولكنها ربطت واقعيا بين الجانبين، وهذا النموذج يمنح دورا متقدما للكنيسة والدين في إدارة الشأن المدني ويميزه حالة من الوفاق والتناغم بين الدولة والكنيسة حين تسمح الدولة بتواجد الكنيسة في المجتمع المدني على حين تسبغ الكنيسة نوعا من الشرعية على الدولة.

كيف نقرأ حركة العلمنة؟

على ضوء التفاوت في النماذج العلمانية يحاول رفيق أن يقرأ واقع حركة العلمنة ذاهبا إلى أن ثمة مسافة تفصل بين النظريات العلمانية وواقع الدين في المجتمعات الغربية التي لم يختف منها الدين كلية، وإنما ظل حاضرا على هيئة تعبيرات مؤسسية كالأسرة التقليدية، أو في مناسبات خاصة كحدث وفاة البابا يوحنا الثاني، الذي كشف عن وجود عدد من الطقوس والتقاليد الكنسية الشعبية كان يظن أنها دفنت إلى غير رجعة.

وعلى هذا يستنتج رفيق أننا إذا شئنا فهما دقيقا لحركة العلمنة فإن هناك عددا من النقاط يجب أن نضعها في الاعتبار وهي:

أولا- ينبغي ألا تقرأ حركة العلمنة من خلال الأدبيات العلمانية التي تشدد على انتصار المادي على الديني وتبشر بعصر ما بعد الدين؛ إذ لو كانت هذه القراءة صحيحة لاختفت الكنيسة تماما من المشهد الأوروبي.

ثانيا- من التعسف قراءة واقع الدين في الغرب أو في أي بلد آخر من خلال نافذة الدولة أو من جهة ادعاءاتها النظرية ومدوناتها التشريعية؛ إذ يمكن لدولة ما أن تكون بالغة المفاصلة بين الدين والمتدينين، ويكون المجتمع على غير ذلك، وتركيا مثال واضح في ذلك.

ثالثا- الإيمان الديني ليس متساوقا بالضرورة مع التعبير المؤسسي؛ إذ يمكن للمؤسسة الدينية أن تكون في حالة تراجع وتهميش في حين ترتفع معدلات التدين في الدائرة الاعتقادية الفردية، والعكس صحيح كذلك؛ إذ يمكن للمؤسسة الدينية أن تكون قوية ومتماسكة، ولكن بالتوازي مع ذلك يشهد الدين نوعا من الضعف والتراجع.

ويخلص رفيق من هذا كله إلى أنه من غير الدقيق اعتبار الغرب علمانيا خالصا، كما أنه من الخطأ النظر إليه بحسبانه مسيحيا متدينا وإنما يتوجب قراءته من خلال الوجهين معا إذا شئنا أن نفهمه فهما صحيحا.

المسلمون وتحديات العلمنة

في الجهة المقابلة يحاول رفيق مقاربة المشروع العلماني في العالم الإسلامي الذي يتعرض منذ قرابة ثلاثة عقود لتحديات عديدة جسدتها الثورة الإيرانية 1979 وما تلاها من صعود تيارات الإسلام الجهادي، وفي هذا الصدد يسجل رفيق أن أشد الفئات ممانعة للمشروع العلماني هي أكثر الفئات ثقافة وأفضلها تعليما -وليست الفئات التقليدية- أي أن تهديد المشروع يأتي من قبل القطاعات التي يفترض أن تكون في طليعة قاطرة تبني العلمانية.

ولا يفوت رفيق كذلك أن يذكر بأن الأطروحات العلمانية ليست جديدة على العالم الإسلامي، فقد تبنتها شرائح واسعة من المثقفين العرب في مطلع القرن الماضي وعولت عليها كثيرا، لكنها اكتشفت لاحقا في أجواء التوسعات العسكرية الغربية و"النفاق الغربي" خطأ المراهنة على هذا الخيار وضرورة تجديد صلتها بمنابعها الثقافية الأصلية.

أما الملاحظة الأكثر جوهرية التي يسجلها رفيق فهي انفكاك عرى التلازم بين العلمانية والحداثة في مخيلة الفئات الممانعة للمشروع العلماني؛ فهي قد أخذت بنصيب وافر من الحداثة ونهلت من معينها، ولكنها في المقابل تجري عمليات مستمرة من المواءمة بين منجزات الحداثة ومقتضيات الحفاظ على الهوية، الأمر الذي يدحض الادعاء العلماني القائل بأن العلمانية والحداثة صنوان لا يفترقان، وأنه لا يمكن بلوغ التحديث إلا مع تبني النهج العلماني.

وعلى ضوء تلك التراجعات التي أصابت المشروع العلماني في العالم الإسلامي خضعت علاقة الإسلام بالعلمانية لمقاربات عديدة من قبل بعض الباحثين العلمانيين الغربيين ممن حاولوا استشراف مستقبل المد العلماني، والذين ذهب بعضهم إلى القول بأن الإسلام ممانع بالكلية للعلمنة لطبيعة جوهرية كامنة فيه، وفي الجهة المقابلة يراهن البعض الآخر على أن هذه الممانعة مؤقتة؛ إذ ليس بمقدور الإسلام صد موجة العلمنة؛ إذ العلمانية -برأي هؤلاء- هي نهاية التاريخ الذي سيتخلى حتما عن مرجعياته الدينية تماما.

أما المقاربة الثالثة فيشدد أنصارها على أن التجربة التاريخية للإسلام عرفت نوعا من العلمانية، وإن كانت طبيعتها تختلف عن نظيرتها الأوروبية، وذلك بالنظر إلى ذلك التمايز الوظيفي الذي كان قائما بين الدولة الإسلامية التي استأثرت بالمجال السياسي وبين مؤسسة الفقهاء التي بسطت نفوذها على الفضاءين الديني والاجتماعي.

هذه المقاربات -كما يراها رفيق- تشترك في "أنها لا تقرأ الإسلام من خلال مفاهيمه الأساسية ومقولاته الداخلية، بل غالبا ما تخضعه لنماذج نظرية جاهزة ومفاهيم نمطية ضاربة الجذور وممتدة العروق في الموروث المسيحي والاستشراقي" (ص 92)، وأنها لا ترى فيه إلا مفهوما جامدا وكتلة منغلقة على ذاتها تقف على طرف نقيض مع العلمانية، وليس هذا صحيحا "فالإسلام دين متحرك في الفهم وفي خطوط الممارسة، وكذلك الأمر بالنسبة للعلمانية والحداثة؛ ولذلك فليس من المستغرب أن نجد أثرًا لبعض المفردات المحسوبة على العلمانية أو الحداثة داخل الإسلام نفسه، وإن لم تتسم باسم العلمانية والحداثة، كما أنه ليس من المستغرب أن نجد لبعض المفردات والعناصر اللصيقة بالإسلام أشباها ونظائر في فضاء العلمانية والحداثة وإن لم تتسمَ باسمه" (ص 103).

وتأسيسا على ذلك يذهب رفيق إلى أن بعض الآليات السياسية التي تدعي العلمانيات تمثيلها واحتكارها يمكن أن تشتغل ضمن أرضية أخلاقية دينية ربما بصورة أفضل من تأسيسها على أرضية علمانية دهرية بما في ذلك قضايا مثل: الديمقراطية وما شابه.

الخلاصة

يخلص رفيق إلى أن جوهر الخلاف بين العلمانية والإسلام لا يعود إلى ما تنادي به العلمانية من مطالبات اجتماعية وسياسية، أو إلى كون الإسلام يدعو إلى إقامة دولة لا تعرف الفصل بين الديني والسياسي بقدر ما يتعلق بالأسس الفلسفية التي يقوم عليها كل منهما، فبينما تستند العلمانية إلى تصور دهري غير متجاوز لا يؤمن بالغيبيات، وترى في المادي والدنيوي مصدرا للقيمة والمعنى؛ فإن الإسلام والديانات التوحيدية عامة تشدد على فكرة الخلق والتجاوز باعتبارهما مصدر القيمة والمعنى.

وإذا ما فهمت العلمانية على هذا النحو (المتشدد) فهنا تبدو صعوبة -بل واستحالة– أن يتعايش معها الإسلام وأن يقبلها المسلمون، أما إذا أعيد تعريفها -أو بالأحرى تقليصها- بحيث تشير إلى الشئون الدنيوية والنشاط الإنساني في هذه الحياة الدنيا دون إضافة قيمة معيارية فهذا لن يكون -حسب رأيه- موضع إشكال.

وهنا نجد لزاما أن نشير إلى أن هذا الطرح لا يخص "رفيق" وحده، وإنما هو طرح بدأ يسود في أوساط بعض المفكرين من ذوي التوجهات الإسلامية، وأبرز رموزه المفكر عبد الوهاب المسيري، ويرى هذا التيار إمكانية وجود مساحات التقاء بين الإسلام والعلمانية، أما عن مدى نجاعة هذا الطرح فإن المستقبل هو الكفيل بتقرير ذلك.


باحثة دكتوراه في التاريخ المصري 

 

عودة إلى قائمة الخطاب الفلسفي - العلمانية