Arabic symbol

 

 

 

 

 

 

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة
فلاسفة العرب
 
بحث مخصص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 الأصولية العلمانية تنفي علاقة الدين بالدولة والأصولية الدينية تزعم أنهما شيء واحد

 

 د. أبو يعرب المرزوقي

لست أشك في أن أغلب القراء قد ضاقوا ذرعا بالمعارك الزائفة التي أغرقت بها الأصوليتان العلمانية والدينية فكر المسلمين فحالت دونه والفراغ للإبداع بدل جبره علي الاختيار بين الاتباع للماضي الأجنبي (ما يسمي حداثة: لا أحد غير بعض المتخلفين من النخب العربية يعتبرها مستقبل الإنسانية) أو الماضي الأهلي (ما يسمي أصالة: لا أحد غير المتخلفين من النخب العربية يعتبرها مستقبل المسلمين). ومن هذه المعارك الزائفة معركة تتردد كثيرا هي المعركة التي تدور حول المجيبين دون الشروط الدنيا للجواب المقنع سواء اختاروا النفي أو الإثبات: هل للإسلام دولة؟
لو كان الإسلام دينا مر عليه حين من الزمن لم يكن فيه ذا دولة أو نشأ تحت استعمار أجنبي مثل المسيحية لكان سؤال هل للإسلام دولة سؤالا وجيها ومفهوما. أما أن يكون الإسلام قد كان من البداية ذا دولة في التاريخ الفعلي ولا يزال ذا دولة في ضمائر معتنقيه فإن السؤال يصبح عديم المعني أو علي الأقل موضع تساؤل هو بدوره. ذلك أن محاولي الجواب بالنفي لا يستهدفون الحقيقة الأولي التي هي حقيقة فعلية في تاريخ المسلمين إلا بسبب استهدافهم الحقيقة الثانية التي هي حقيقة في ضمائر المؤمنين بالإسلام. 
لذلك فإن المشكل كله بات متعلقا بتأويل تاريخ المسلمين ونصهم المقدس إما لفرض الفهم المسيحي للعلاقة بين الديني والسياسي عليه أو للحرب علي ضمائر المسلمين خلال سعيهم لاستئناف دورهم في التاريخ الكوني أو لهما معا سعيا لشطب شرط الإمكان الأنطولوجي لهذا الاستئناف من مخيلة الأمة ومن تاريخها. والعلة الحقيقية لهذا الموقف بفرعيه هي الخوف الدفين من هذا الاستئناف الذي سيحرر خمس الإنسانية بداية وربما كلها غاية بفضل الثورة القرآنية. وهذا الشرط الأنطولوجي هو: أن يتحقق ما في ضمائر المسلمين في الواقع الفعلي فيعودون كما كانوا أمة ذات كيان تاريخي فعلي لهم دولة تحمي كيانهم المادي وقيامهم الرمزي. 

ضمائر الإشكال

كل قارئ نزيه يعلم أن سؤال هل الإسلام له دولة؟ يضمر أمرا ليس مشروطا في الجواب المثبت لوجود الدولة لكنه مشروط في الجواب النافي: إذا كان للإسلام دولة فينبغي أن تكون ثيوقراطية. فالجواب المثبت يمكن أن يكون: بلي إن للإسلام دولة لكنها ليست ثيوقراطية كما يضمر من يذهب إلي النفي حتي يتجنب ثقرطة الدولة. فالجميع يعلم أن الدولة الثيوقراطية أمر يستثنيه الإسلام بمقتضي عقيدته لمجرد نفيه مؤسسة السلطة الروحية فوق الجماعة المؤمنة. لذلك فهذا أمر لا يحتاج إلي كل هذا الضجيج. 
أليس الجميع يعلم أن الصدام بين القول بالدولة الثيوقراطية والقول بالدولة المدنية كان ولا يزال جوهر الحرب الأهلية الإسلامية التي بدأت منذ ما يسمي بالفتنة الكبري وأنه إذن صدام قد حسم نظريا وعمليا قبل المعركة الزائفة الحالية لأنه لا علاقة له بالمعركة بين الأصوليين والعلمانيين؟ والكل يعلم نتيجة الحرب الأهلية الإسلامية لحسم هذه القضية ما هي. 
فأغلبية المسلمين أو السنة اختارت مبدئيا رفض الدولة الثيوقراطية ومالت إلي الدولة المدنية دون أن تنفي تعالي أخلاق التشريع التي جعلتها عائدة إلي الشريعة بفرعيها (القرآن والسنة النبوية) وأناطت وظيفة التشريع العيني بإجماع المسلمين ومنه فهم التشريع المنزل وأمر العمل به إيجابا وسلبا (أي إن سلطة الأمة الشرعية لا الغاصبة يمكن أن تجمع علي رفع العمل بحكم لعلل ظرفية دون نفي الإيمان المبدئي به كما فعل الفاروق برضا الجماعة). 
لن أتكلم علي من يتكلمون في الموضوع بزاد في علوم الملة لا يتجاوز زاد المدرسة الابتدائية مثل أحد النجوم في هذه الأيام. فقد سمعته ذات مرة يحاضر في تونس مع مستشار قد الدنيا يوم كان العلمانيون يديرون دفة التربية ويبشرون بتجفيف المنابع إلي أن حولوها إلي فلكلور تنويري جعل الزيتونة تصبح خلية حزب وفرع إذاعة وظيفتها الطبل والزمر باسم التحديث الطلائي. فكان المحاضران لا يستطيعان الخطاب إلا بالعامية المصرية ولم يستشهدا بآية إلا وصحبها لحن يندي له جبين أنصاف المثقفين في الدين فلم يكن لحنا بل تلحيناً! وقد يكون المستشار الذي هو قد الدنيا ذا أهلية قانونية للكلام في الفقه لكن مرافقه ـ الذي نراه اليوم بين نجوم المواقع والفضائيات يصول ويجول ـ كان وأظنه لا يزال خالي الوفاض حتي من هذا الشرط. ومع ذلك فهو يتجرأ علي إصلاح الدين الإسلامي في إحدي مسائله الجوهرية!

مصدر الإشكال

ما يعنيني هو العودة إلي معركة الخلافة في الربع الأول من القرن الماضي لنفهم العلل التي تجعل البعض يتصور قراءة بعض الصحف الغربية كافية للكلام في القانون الدستوري كلاما لا يؤيده التاريخ ولا النص الإسلاميان. وطبعا بعض من نفي وجود دولة في الإسلام لم يكونوا بحاجة إلي القانون الدستوري ولا إلي التاريخ حتي وإن زينوا كلامهم بالنصوص من القرآن والسنة لأنهم بخلاف الحاليين كانوا علي الأقل علي بينة من الثقافة الأصلية وهو ما يؤيد فرضية سوء النية وعدم سلامة القصد. إنما كانوا مدفوعين إلي نفي الدولة في الإسلام بدافعين بينين لكل ذي بصيرة:
الدافع الأول مباشر ونفعي: إنه التبرير الشرعي للقضاء الفعلي علي الخلافة ومن ثمة تأسيس الانفصال القطري والتقرب من العائلة المالكة في مصر العائلة التي كانت تحتاج إلي ما يشرع لها الانفصال الذي كان حاصلا في الواقع. 
الدافع الثاني غير مباشر ودليل علي سوء فهم الحداثة: إنه تصورها رهينة الفصل بين الدين والدولة بالشكل المعروف عندئذ عند النخبة المصرية التي تأثرت بالثورة والعلمانية الفرنسيتين ومن ثمة فهي قد تمسحت من حيث لا تعلم: صار لقيصر الحق في مقاسمة الله فيعود الإنسان إلي فصام الطغيانين: طغيان فرعون وطغيان هامان! 

عناصر المسألة 

لا يمكن لامرئ يحترم نفسه والقراء أن يطرح أي سؤال فضلا عن سؤال من هذا الحجم معتبرا عناصره أمرا مفروغا منه وغنيا عن التحليل والتدقيق. ذلك أن الذهاب إلي القرآن والسنة للجواب عن أسئلة مضمرة لا علاقة لها بالسؤال ويتصورها السائل فيه الكثير من السذاجة لأن الاستغفال إذا سلمنا بوجوده لا يكون بهذا الغباء. أيعقل أن يعتبر السائل نفسه يجيب عن السؤال: هل للإسلام دولة؟ بمجرد البحث في القرآن والسنة عن أمر لا يمكن لذي عقل سوي أن يطلبه منهما أعني دستورا بالمعني القانوني للكلمة في التشريعات الوضعية الحديثة فيستنتج من عدم وجود بنود الدستور الحالي للدول الحديثة دليلا علي عدم وجود الدولة؟ أليس من يفعل ذلك كمن يقول: لم تكن الدولة المصرية في عهد الفراعنة موجودة ـ رغم أنها دامت أكثر 5 آلاف سنة ـ لأننا بحثنا فلم نجد مجلس نواب معيناً بانتخابات مزيفة كما هي الحال في الدول العربية الحديثة؟ 
لن أذهب إلي مطالبة صاحب هذا الكلام بما ينبغي أن يستنتجه من نفس الموقف أن بريطانيا العظمي ليس لها دولة لأن لا دستور لها بهذا المعني! يكفي ذلك للإشارة إلي مدي جدية من يقدم مثل هذه الأجوبة لإثبات نفيه وجود الدولة في الإسلام علما وأنه لا يعرف من القرآن حتي الفاتحة إذا بقي علي ما سمعته منه في تونس عندما دعاه المستنجدون به من أصحاب التنوير الزائف لتثقيف طلبة الزيتونة المسكينة. ولنذهب إلي بيت القصيد في هذه المسألة بوجهيها التاريخي والمبدئي لنطرح السؤالين اللذين ينبغي أن نتدبرهما في الرد علي ذلك حتي وإن بدأ مع شيوخ أزهريين:
السؤال الأول: هل كان علماء الإسلام خلال أربعة عشر قرنا بهذه الدرجة من البلادة بحيث قبلوا بمؤسسات الدولة التي أصلوها في الإسلام بسبب الجهل والعدوان علي الدين الذي كان عليهم أن يجدوا فيه المسيحية (فصل الدين عن الدولة) لا الإسلام الذي يرفض هذا الفصل بالجوهر؟
السؤال الثاني: هل صحيح أن النصين المرجعيين يخلوان من نصوص واضحة تحدد أركان الدولة بسلطاتها الثلاث التقليدية وبسلطتيها الخاصتين بالدولة الإسلامية التي لم يرها فقهاء آخر الزمان ممن لم يدرسوا لا الفقه ولا القانون ولا اللغة العربية ولا العلوم الدينية إلخ.. ويسعون إلي تجفيف المنابع لزرع العلمانية التي جهلهم بها لا يقل فداحة عن جهلهم بالإسلام؟

السؤال التاريخي 

هذا سؤال يسير علاجه لأن أي متطفل علي الفكر مهما كان وقحا لا يمكن له أن يزعم العلم بالمؤسسات السياسية والدينية الإسلامية أكثر من الغزالي وابن خلدون: فهي مسألة تاريخ وهما كانا من صناعه فضلا عن كونهما من منظريه. فكلاهما يؤكد في جل مؤلفاته الأمرين التاليين: 
الأول أن الإسلام غير قابل للتصور من دولة تامة الشروط بل وأن الدولة ما كانت لتكون ضرورية عقلا لولا إيجابها الديني لأن الناس يمكن عقلا أن يعيشوا فوضي أو أن يكونوا مسالمين فلا يحتاجون للدولة. وهذا الجواب يرد به كلا المفكرين علي مذهبين: فلسفي يدعي أن العقل يوجب وجود الدولة ومذهبي يدعي أن الدولة حق إلهي لآل البيت يستوجب الوصية للحاجة إلي الإمام المعصوم.
والثاني أن هذه الدولة ليست دينية رغم أن مبدأ تأسيسها وأخلاق تشريعها دينيان أو إن شئنا مقدسان. فهي دولة مدنية لأنها تخضع لإجماع الأمة وليست جزءا من العقيدة. لذلك فمتولو أمر الدولة ليسوا رجال دين ولا هم معصومون بل هم مجرد موكلين بأمر الجماعة بفضل تعاقد اسمه البيعة التي من شرطها أن تكون حرة واختيارية (طبعا هذا في الواجب والواقع بخلافه كما هي الحال في كل الأنظمة بما في ذلك الديمقراطية التي يعلم الجميع أنها ألغارشية في الواقع وديمقراطية في الواجب). 
والغريب أن أصحاب هذا الكلام البارد يضيفون إلي هذه الحجة الواهية دليلين آخرين من التاريخ يثبتان عكس ما يسعون إليه: 
الأول هو حصول الفتنة التي تدل علي عدم تحديد نظام الحكم ومن ثمة علي عدم حسم نصوص هذه الإشكالية. 
والثاني هو تعدد أشكال الخلافة في التاريخ الإسلامي من الراشدية إلي الملك العضوض إلي الجاهلية في الغاية.
وسنبدأ بهذين الدليلين التاريخيين. فالدليل الأول يثبت عكس ما يزعمه هؤلاء المتفلسفون المزعومون في الفقه الدستوري. ذلك أن الخلاف حول الشكل يثبت وجود الموضوع ولا ينفيه. فالمسلمون لم يختلفوا بعد وفاة الرسول علي وجوب وجود الحكم والدولة بل علي شكلها. وفهم هذا الفرق لا يتطلب علما ولا حتي ذكاء بل العقل السليم وحده كاف. والدليل الثاني يثبت العكس كذلك. فالتغير في نظام الحكم وشكله لا ينفي وجوده بل يثبت مراحل تاريخه وتحولاته حتي وإن كانت متنازلة من حيث القيمة الخلقية. 
والدليل الثاني يثبت وجود الدولة بصورة أكثر دلالة من الأول لأنه مشروط بوجود الموضوع في العين وليس في الذهن فحسب مما قد يحوج الدليل الأول إلي بيان أنه كان في العين وليس في أذهان المسلمين فحسب: فلا يتطور شيء إذا كان معدوما. والاعتراض علي الدليل الأول بأن المسلمين يمكن أن يختلفوا علي شكل الحكم دون أن يكون موجودا اعتراض مقبول. لذلك فهو دليل محتاج إلي دعامة تاريخية: فالدولة كانت موجودة في حياة الرسول والخلاف كان علي شكل مواصلتها لأن أحد ركنيها توقف بموته: الوحي. 
لذلك اختارت غالبية المسلمين بعد ترو أن توقف الوحي يعني أن الأمير في الدولة لم يعد بوسعه أن يدعي العصمة التي صارت لإجماع الأمة وليس للحاكم وأنه ينبغي أن تكون الدولة مدنية الإدارة حتي وإن ظلت دينية التشريع في المبادئ الأساسية لكل تشريع وخاصة في أخلاقه. والمعلوم أن الأقلية اختارت حلا آخر هو نسبة العصمة لآل البيت وليس للأمة وهو ما يعني بنحو ما تواصل الوحي وتأسيس الدولة الثيوقراطية. فكان ذلك سبب الحرب الأهلية. 
والأغلبية التي اختارت الدولة المدنية قاست الحكم من حيث المؤسسات علي الدين فاعتبروا الحكم مثل الصلاة بحاجة إلي إمام وأموا أبا بكر في السياسة كما أمه الرسول في الصلاة. وبذلك تواصلت دولة الرسول من دون زعم وراثة الوحي والعصمة بل أصبح الحكم مجرد راع للشرع. وتلك هي الدولة التي حاربت وصالحت وعقدت معاهدات مواصلة لما بدأه الرسول. ولم يكن ذلك في العلاقات الداخلية فحسب بل كان في العلاقات الدولية كذلك سواء بالمراسلات السلمية أو باللجوء إلي الحبشة أو بالشروع في حرب التحرير ضد الاستعمار البيزنطي في شمال الجزيرة. وطبعا لا فائدة من إطالة الكلام في مثل هذه البديهيات الخاصة بمقومات ما يسمي دولة حتي بالمعني الحديث لأن ذلك لو فعلته لكان تحقيرا حتي من أغبي المخلوقات.

سؤال النصوص

وهذا هو السؤال الذي يركز عليه طالبو الدستور من القرآن والسنة ليثبتوا النفي عملا بمنهج المغالطة والأفخاخ التي ينصبونها للسذج من الرادين عليهم ببضاعة من جنس بضاعتهم المجزاة. فعندهم أن عدم وجود دستور وعدم تحديد مؤسسات الحكم وشكله في القرآن والسنة (القولية والفعلية) دليلان كافيان لنفي وجود الدولة في الإسلام. هكذا بكل بساطة. فلنأت الآن إلي النصوص دون إيرادها لأن المقام لا يسمح بذلك ولأن مضمون القرآن والسنة في متناول القارئ إذا كان ممن تربوا في وسط إسلامي فلا يحتاج إلي إحالات عينية. 
فإذا كان المجادل يطلب نصوصا دستورية بالمعني القانوني الحديث فلا فائدة من الكلام معه. لأن ذلك ليس من مهام النصوص المقدسة بل وحتي من مهام النصوص الفلسفية التأسيسية. فالفلسفة العملية حتي في الفكر الملحد تابعة للنظر ومن ثم فهي تأتي في المقام الثاني في نسبة المرحلة التطبيقية إلي المرحلة النظرية من كل فكر تأسيسي. لن تجد في نص ميتافيزيقي كلاما علي شكل الدولة بل تجد ربما كلاما علي الحاجة إلي النظام والأخلاق إلخ...وكيفيات الانتقال من النظر إلي العمل إما في مسائل فلسفة الحق أو في مسائل القانون الدستوري. لذلك فالنصوص التي ينبغي طلبها من المرجعية النصية لمن يريد أن يجيب عن هذا السؤال علي ضربين كما هي حال القرآن الكريم والحديث نفسيهما:
1ـ نصوص تأسيسية للحكم والأخلاق في مجالات التنافس والصراع الممكن بين البشر (وهذا تجده في القرآن المكي والحديث القدسي) وهي تنتسب إلي العقيدة أكثر من انتسابها إلي الشريعة رغم ما لهذا التمييز من تقريبية لأن الأمرين متلازمان.
ونصوص تطبيقية للحكم والأخلاق في نفس المجالات (وهذا نجده في القرآن المدني والحديث العادي). ومن لم يجد ذلك إذا كان يفهم المقصود بالدولة فهو إما فاقد للبصر فضلا عن البصيرة أو سيئ النية ولا يريد الجواب عن سؤاله. 
وهذا السؤال عن الدولة لا ينبغي أن يذهب إلي النص المؤسس من كلمة جوفاء هي كلمة دولة بل عليه أن يبدأ فيحدد المقصود بالدولة من حيث الوظائف والأعضاء القائمة بها أعني المؤسسات؟ أليست وظائفها هي موضوع الحكم وأعضاؤها هم مؤسساته ودستورها هو تحديد الوظائف والأعضاء مع ضب معايير عملها وكلها تعود إلي مؤسسات علاج القضايا التي يطرحها الوجود المشترك بين الناس ومعاييرها؟ وهذه المؤسسات ألا ينبغي أن تكون مؤسسات متعالية علي الأسر الحاكمة وعلي أعيان الحكام وأن تدور حول مسائل لا يخلو منها عمران؟ هل يوجد أحد يشكك في أن القرآن الكريم قد حدد كل هذه الأمور بوضوح ليس له نظير أعني:
1ـ مسائل الرزق والتنافس عليه: وهو ما يناظر الاقتصاد في لغتنا الحديثة (انظر الباب الخامس من مقدمة ابن خلدون). 
2ـ مسائل الذوق والتنافس عليه: وهو ما يناظر الجنس والفنون وكل ما له علاقة بالعيش المشترك من حيث هو تآنس. 
3ـ مسائل السلطان علي الرزق: الحقوق والواجبات والعدوان عليها والفساد في الاقتصاد.
4ـ مسائل السلطان علي الذوق: الكرامة ومنزلة الناس وعلاقات الحب والزواج والأسرة وكل مسائل الذوق والفنون وبصورة عامة أحكام القيمة الخلقية والجمالية. 
5ـ مسائل السلطان الشامل لكل ذلك أعني الحاجة إلي الحكام في الخلافات حول هذه المسائل وفي توفير شروط العيش الآمن والوجود المشترك وهو بالضرورة ذو وجهين معنوي ومادي لأن الأمن لا يمكن أن يوفره الجهاز المادي للدولة وحده من دون جملة من المعايير المقدسة المشتركة بين الأفراد من دونها يصبح العيش المشترك جحيما لفقدان اطمئنان الناس بعضها إلي بعض وسيطرة عدم الثقة والتوجس الدائمين.
تلك هي وظائف ما نسميه دولة بالمعني القرآني للكلمة، المعني الذي هو أرقي حتي من معناها الحديث عند من يجهل فلسفة الحق فضلا عن القانون الدستوري. ولذلك فهي كيان مقدس يجمع بين الروحي وفاعليته الخلقية والمادي وفاعليته الطبيعية إذ من دون ذلك يصبح السياسي خاضعا لمنطق الذئاب والديني لمنطق المحتالين. والدولة من حيث هي نظام المؤسسات المجرد تعني بهذه المجالات من حيث السلطات الثلاث بالمعني التقليدي في الأنظمة الدستورية الحديثة أعني:
1ـ التشريع 2 ـ والقضاء 3 ـ والتنفيذ. لكن ذلك لا معني له من دون السلطتين اللتين بدأت المجتمعات الحديثة تدرك أهميتهما وهما من جوهر الديني الإسلامي أعني 
4ـ سلطة الرأي العام أو ما يسمي بسلطة الحسبة المعبرة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أي عن أخلاق الجماعة سواء كانت دينية أو غير دينية. 5ـ وسلطة النظام التربوي والثقافي الذي ينبغي أن يكون مستقلا عن الجهاز التنفيذي للدولة.
ولعل ما يسمي اليوم بالسلطة الرابعة قريب من سلطة الرأي العام في النظام الإسلامي بمعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا توفرت حرية الإعلام. كما أن ما يسمي بسلطة المثقفين قريب من سلطة العلماء والنظام التربوي الإسلامي إذا كانوا حقا نابعين من الثقافة الأهلية وليسوا وافدين إليها بزاد مستلب. وينبغي أن تكون سلطة النظام التربوي تابعة للرأي العام من حيث القيم العليا مع استقلال من جنس استقلال المعرفة المختصة علي المعرفة العامية والمقابلة هي مقابلة فرض العين في سلطة الرأي العام وفرض الكفاية في سلطة التربية والثقافة.

خاتمة:

وحاصل القول ومجمله أن المتكلمين في هذه المسألة من العلمانيين يتكلمون في الحداثة ويريدون التحديث من منظور وحداني المنظور أحيانا بوعي وأحيانا بغير وعي بمقتضياته وما يترتب عليه. وقد سبق أن نقلت إلي العربية تعريف هيدغر للحداثة التي يهيم بها الكثير من نخبنا ولا يرون ما جرته علي الإنسانية من نكبات أقربها الحربان العالميتان والفاشيات الثلاث التي أدت إليها وذروتها الحالية في العولمة المتوحشة التي جعلت الجميع عبيدا بمن فيهم من يتصورون أنفسهم سادة العالم. وما يجدر التذكير به هو أنها في الجوهر سعي لتمسيح العالم بنظرية تأليه الإنسان واخضاعه للفصام المرضي بين قيصر والله: وباسم الأول يتم إخضاع حياته المادية لحيل المافيا السياسية وباسم الثاني يتم إخضاع حياته الروحية لحيل المافيا العلمانية التي تنافس المافيا الدينية علي هذه السلطة. 
ليس الهدف هو إذن تحرير الإنسان من الطاغوتين بل هو مجرد صراع بين المافيتين الرمزيتين في خدمة قيصر أعني اخطبوط العصر الحديث: أجهزة الدولة الحديثة. وهو أمر حدده القرآن الكريم كذلك بصورة صريحة لا لبس فيها كما حدد وظائف الدولة ومعايير علمها الخلقية والاقتصادية والعاطفية في الآية 136من الأنعام: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلي الله. وما كان لله فهو يصل إلي شركائهم. ساء ما يحكمون .

 

عودة إلى قائمة الخطاب الفلسفي - العلمانية