Arabic symbol

 

 

 

 

 

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة

فلاسفة العرب

عبدالوهاب المسيري المثقف العضوي النموذجي
 
بحث مخصص

 

جريدة البديل
07/07/2008
د.محمود عبد الفضيل

لطالما فتشت في زماننا هذا عن ذلك «المثقف العضوي» الذي تحدث عنه المناضل الإيطالي الكبير أنطونيو جرامشي، في عصر خار فيه عزم الكثير من المثقفين، واتسمت سلوكياتهم بالازدواجية، حيث عين لهم في الجنة وعين في النار، ولم تبق إلا القلة القليلة التي ظلت شامخة القامة رغم الصعوبات المحيقة. ومن بين هذه القلة القليلة وجدت الصديق الدكتور عبدالوهاب المسيري يجسد هذا المفهوم الجرامشي للمثقف العضوي بامتياز. فعلي الصعيد الفكري هو مثقف موسوعي ملم بأحدث تجليات الثقافة الغربية، كما هو ملم بتنويعات الفكر الإسلامي وبدهاليز الفكر الصهيوني. وكيف لا وهو الذي أنجز أعمالاً نقدية ومتميزة في نقد الحداثة وما بعد الحداثة في الفكر الغربي، وهو الذي أنجز الموسوعة الرائدة حول الفكر اليهودي والفكر الصهيوني، كما أضفت كتاباته مسحة تنويرية مهمة علي الفكر الإسلامي والتأكيد علي وسطيته ومصالحته مع روح العصر وعندما قال عبدالوهاب المسيري-علي سبيل الدعابة- في أحد تصريحاته الصحفية أنه " ماركسي علي سنة الله ورسوله" ، فإنه ربما كان يقصد أنه دون مصالحة بين أفكار اليسار والتراث الإسلامي المستنير، فمن الصعب تكوين حركة شعبية جامعة في مصر، ودون ذلك فسوف تظل عمليات الخندقة الفكرية هي السمة السائدة للحركة السياسية والشعبية.
وإلي جانب الإنجازات الفكرية القيمة للدكتورعبد الوهاب المسيري، كان دوره المجتمعي والسياسي لا يقل أهمية بل يوازي إنجازاته الفكرية. فقد شارك في تأسيس حزب الوسط (تحت التأسيس) وشارك في تأسيس حركة «كفاية»، ولعب فيها دوراً قياديا حتي صار المنسق العام لها في ظروف بالغة الصعوبة، وفي ظل ضغوط وتحرشات أمنية شديدة الوطأة. ويدل نزول عبدالوهاب المسيري إلي الشارع علي رأس مظاهرات «كفاية» رغم سنه ومرضه علي شجاعة أدبية فائقة . وقد دفع المسيري- رغم قامته الفكرية العالية- ثمن هذه الجرأة إذ جري دفعه بواسطة قوي الأمن كما تم اختطافه لاحقا والإلقاء به في الفلاة. ورغم هذه المضايقات لم تلن له قناة وظل ثابت القلب مكبا علي موقفه، واستمر في كتابته الجريئة في الدفاع عن مصالح الشعب في مكافحة الغلاء، ونقد الاستبداد والمطالبة بالتغيير الديمقراطي.
ويعجب المرء لمدي غزارة وتنوع كتابات ومساهمات د.عبدالوهاب المسيري في مجالات عدة بدءا من السياسة إلي الاجتماع إلي الأدب المقارن، إلي الترجمة إلي أدب الأطفال وانتهاء بأهمية "النكتة" في حياتنا اليومية، لدرجة أنني كنت أحيانا أعجب هل عبد الوهاب المسيري فرد أم مؤسسة قائمة بذاتها. كما يحسد المرء قدرته الفائقة علي إدارة مشروعات بحثية واسعة بكفاءة واقتدار، لعل أبرزها موسوعته عن اليهود والصهيونية. ومن خلال هذه المشروعات البحثية تمكن عبدالوهاب المسيري من احتضان العديد من الشباب والشابات الواعدين وتدريبهم علي البحث العلمي بروح وطنية والتزام جاد.
ولعل الحضور القوي لرموز المجتمع المدني من جميع التيارات والمشارب في جنازة عبدالوهاب المسيري في القاهرة ودمنهور لدليل علي أن مصر تعرف طريقها وتميز بين الغث والسمين، وتكرم الرموز الوطنية التي تدافع عن الحق والعدل والتقدم. وعزاؤنا لمصر ولأسرة الفقيد ولرفيقة عمره الدكتورة هدي حجازي، رحمه الله رحمة واسعة وعوضنا والوطن عن فقده