Arabic symbol

 

 

 

 

 

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة

فلاسفة العرب

 
بحث مخصص

 

جريدة الاتحاد

وجهات نظر 23 نوفمبر 2007

الوعي الأوروبي... و"عقلية" الاستعمار!

أثارت زيارة ملك إسبانيا للمدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة ومليلية مشاعر العرب والمسلمين، وذكّرتهم بماضي أوروبا الاستعماري الذي لم يتوقف حتى الآن. فالاستعمار دفين في الوعي الأوروبي. يكمن أحياناً ويتفجّر أحياناً أخرى. لم يتخلص الوعي الأوروبي في رؤيته للعالم وللآخرين من الاستعمار. فالآخر والعالم لا وجود لهما في ذاتهما إلا من خلال تأكيد أوروبا لذاتها كقوة وحيدة في العالم ووجود وحيد للذات. فلا وجود لغير المركز، والباقي أطراف. ولا وجود لأوروبا غير الحقوق وعلى الآخرين الواجبات.

لقد صدرت الحضارة الأوروبية نفسها. وأوهمت العالم من خلال تدوين التاريخ بأنها حضارة الحرية والديمقراطية والعلم والتقدم والإنسان. وهي مُثُل التنوير التي جسدتها مبادئ الثورة الفرنسية الثلاثة: الحرية والإخاء والمساواة، كما جسدت حركة التحرر العربي في مصر وسوريا مبادئها في شعار "الحرية والاشتراكية والوحدة" بصرف النظر عن الترتيب والأولوية للحرية في مصر وللوحدة في سوريا. قدمت الحضارة الأوروبية في عصورها الحديثة نفسها بأنها ثورة ضد التسلط، وتحرر من القهر ورموزه، الكنيسة، والإقطاع في الحاضر في الدين والسياسة، وأرسطو وبطليموس والشروح العربية الوافدة في الثقافة والعلم. واستمرت الثورة في بداية العصور الحديثة ضد الكنيسة والرأسمالية حتى قامت الثورات الجمهورية والاشتراكية.

ويبدو أن المعيار المزدوج كان مصاحباً من البداية للوعي الأوروبي الحديث، مبادئ التحرر من التسلط، والحرية ضد القهر فقط لأوروبا والهيمنة والاستعمار والسيطرة على غيرها. فمنذ أن أصبحت أوروبا هي مركز العالم الجديد بعد سقوط غرناطة وطرد المسلمين من الأندلس انتشرت خارج حدودها الجغرافية إلى ما وراء البحار اعتماداً على خرائط المسلمين ونظرياتهم في كروية الأرض حتى وصلت إلى نصف الكرة الغربي عبر الأطلسي واحتلال القارتين القديمتين شمالاً وجنوباً باسم الكشوف أو الاستكشافات الجغرافية، وكأن نصف الكرة الغربي لم يكن موجوداً قبل قدوم الرجل الأبيض إليه، وكأن السكان الأصليين لا وجود لهم. وإن وُجدوا يُستأصلون عن بكرة أبيهم حتى تخلو الأرض للمستعمر الجديد، وإحلال سكان آخرين محلهم، رقيق أفريقيا الذين تم اصطيادهم كالحيوانات بالملايين. منهم من غرق في المحيط ومنهم من وصل إلى الأرض عبيداً أرقاء لتعمير الأرض.

حدث ذلك في عصر الإصلاح الديني عند لوثر وكالفن. في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحرر نفسها من تسلط الكنيسة والإقطاع على يد لوثر ومونزر كانت تستعبد غيرها وتلفُّ حول البحار، وتعبر المحيطات غرباً للوصول إلى جزر الهند الشرقية أو شرقاً عبر جنوب أفريقيا والمحيط الهندي وبحر الغرب من أجل الالتفاف حول العالم القديم كله. وفي عصر النهضة الذي تلا الإصلاح الديني احتلت القوى الأوروبية الجديدة السواحل، انجلترا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال، نصف الكرة الغربي، وإنجلترا جنوب أفريقيا. وقضت على إمبراطورية المغول الإسلامية في الهند. وانضمت هولندا إلى الركب فاحتلت جنوب شرق آسيا، إندونيسيا، أكبر أرخبيل في العالم، واحتلت إسبانيا الفلبين، وفيما بعد احتلت إنجلترا ماليزيا وإيران وأفغانستان. وفي عصر الثورة الفرنسية المجيدة احتل نابليون مصر. وبلغ الاستعمار الذروة في القرن التاسع عشر في وقت بلغت الرومانسية في أوروبا أوجها والدفاع عن قيم الحرية، وما سماه ليسنج "العاصفة والاندفاع" باحتلال فرنسا وإنجلترا وبلجيكا أواسط أفريقيا، وفرنسا الجزائر. وبعد خسارة تركيا الحرب العالمية الأولى في القرن العشرين، وفي وقت بدأت فيه أوروبا تكمل عصر العلم والصناعة، احتلت فرنسا وإنجلترا الوطن العربي في المشرق والمغرب، وروسيا الجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا.

لم تختلف إذن العصور الحديثة رمز الحرية والتحرر والثورة ضد السلطة والتسلط عن الوعي الاستعماري الأوروبي القديم منذ اليونان والرومان الذين استعمروا الشرق حول البحر الأبيض المتوسط واندفع الإسكندر نحو مصر والهند وأواسط آسيا والشرق لتكوين إمبراطورية يونانية تفتت بعد موته بين قواده. كما اندفع قياصرة الرومان حول سواحل البحر الأبيض المتوسط لجعله بحيرة رومانية وحرره العرب بعد ظهور الإسلام. واستأنف الصليبيون نفس الاندفاع الاستعماري بدعوى تخليص المدينة المقدسة من أيدي المسلمين. وانتصر عليهم صلاح الدين. واستعاد أراضي المسلمين في الشام. ثم استؤنفت الحروب الصليبية في المغرب بعد فشلها في المشرق. وأخُرج المسلمون من إسبانيا. واحتلت مدن الساحل الشمالي الأفريقي سبته ومليلية وفي الساحل الجنوبي في الصحراء. وأثناء حركة التحرر الوطني انسحب الإسبان من الصحراء الجنوبية بعكس المدن الشمالية. واحتلت إنجلترا طنجة وجبل طارق كما احتلت مالطة وقبرص وقناة السويس والمنافذ البحرية خارج البحر الأبيض المتوسط في عدن ورأس الرجاء الصالح وسنغافورة حتى تسيطر سيدة البحار على العالم من خلال السيطرة على طرق المواصلات البحرية

وقد دافعت الإمبراطورية العثمانية عن سواحل المغرب العربي حتى الجزائر وحررت ثماني مدن وهي في أوج انقضاض الغرب على "الرجل المريض" وتقطيع أوصاله. وبعد حركات التحرر بقي الوعي الأوروبي وعياً استعمارياً يعاود هيمنته كلما ضعف الآخر، لا فرق في ذلك بين إسبانيا ممثل الاستعمار القديم وممثلي الاستعمار الحديث.

في هذا الإطار التاريخي يمكن قراءة زيارة ملك إسبانيا للمدينتين المغربيتين المحتلتين، سبتة ومليلية بعيداً عن تراثها الجمهوري الحديث أثناء الحرب الأهلية وتراثها الأندلسي القديم أثناء حكم العرب والمسلمين، الذي مازالت تفخر به أمام العالم في غرناطة وقرطبة وإشبيلية وطليطلة. وماذا عن إعلان برشلونة الذي أصبح نموذجاً للتعاون بين دول البحر الأبيض المتوسط؟ وماذا عن عودة الروح إلى إسبانيا عن طريق الأندلس الجديدة واعتزازها بثمانية قرون من التراث العربي الإسلامي؟

إنه الوعي الأوروبي الاستعماري يتفجَّر من جديد بعد نكوص الحركات الوطنية والتفريط في مكتسباتها، وتحولها إلى نظم سياسية قاهرة للداخل وتابعة للخارج. وقد بدأ ذلك باحتلال إسرائيل لكل فلسطين وتهديد وسوريا ولبنان، وظهور مقولات "محور الشر"، والعمل على تفتيت السودان والصومال، وتحويل الوطن العربي والعالم الإسلامي إلى دويلات طائفية وعرقية ومذهبية تصبح إسرائيل بينها دولة يهودية كما صرح بذلك رئيس وزرائها، وليست مجرد دولة علمانية حديثة، تقوم بدور دول إقليمية كبرى في تحديث الوطن العربي، وتأخذ شرعية جديدة من طبيعة الجغرافيا السياسية المحلية للمنطقة وليس من أساطير المعاد القديمة، "شعب الله المختار" و"أرض المعاد".

إن زيارة ملك إسبانيا للمدينتين المغربيتين المحتلتين رمز وإشارة. رمز على أن الوعي الأوروبي الاستعماري لم ينتهِ بعد. وإشارة إلى أن استمرار الهجرات المغربية إلى إسبانيا، والعربية إلى أوروبا، هو احتلال غير مباشر وفتوحات جديدة من الجنوب في الشمال عن طريق العمالة المهاجرة، في حاجة إلى حركة "استرداد" جديدة، ومد من الشمال إلى الجنوب. وإذا كان "الإرهاب" الإسلامي قادماً من الجنوب إلى الشمال فإن "الاستعمار" الغربي قادم من الشمال إلى الجنوب. وقد تكون عودة أوروبا إلى وعيها الاستعماري القديم أحد الحلول لحل أزمات أوروبا الداخلية، فقد الروح وخواء النفس، وما سماه بعض الفلاسفة "أفول الغرب" أو "أزمة الوعي" أو "قلب القيم". فإذا كان المشروع الأوروبي القديم لا يستهوي الأجيال الجديدة، أكبر قدر ممكن من الإنتاج لأكبر قدر ممكن من الاستهلاك لأكبر قدر ممكن من السعادة، فلعل الوعي الاستعماري القديم لـ"المحافظين الجدد" والباحثين عن الذهب من الذين عبروا المحيطات إلى نصف الكرة الغربي، يعطي دفعة جديدة لأوروبا. وقد تُوقفه حركة تحرر عربي وطني ثانية لرد الهجمة الاستعمارية الجديدة. إنما تستطيع الأجيال الجديدة أن تبدأ عصوراً حديثة أوروبية جديدة، خالية من المعيار المزدوج، الحرية والتحرر لأوروبا، والهيمنة والتسلط على غيرها، وتعمل لأجل إنسانية واحدة، دون مركز ومحيط، وشمال وجنوب، وغرب وشرق.

الكاتب

د. حسن حنفي