Arabic symbol

 

 

 

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة

فلاسفة العرب

جورج طرابيشي

 
بحث مخصص

 

جورج طرابيشي (م 1939) ، مفكر ومترجم سوري يدافع عن الإسلام الحضاري وعلمانية الإسلام، معروف بمشروعه لنقد نقد العقل العربي.

حياته

ولد جورج طرابيشي بمدينة حلب، حصل على الليسانس في اللغة العربية ثم على درجة الماجستير في التربية من جامعة دمشق. عمل مديرا لإذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيسا لتحرير مجلة " دراسات عربية" (1972-1984), ورئيس تحرير بمجلة "الوحدة" (1984-1989).

إنتاجه الفكري

يتميز الإنتاج الفكري لجورج طرابيشي بتعدد الاتجاهات ما بين الترجمة لفرويد وهيجل وسارتر وبرهييه وجارودي وآخرين، والتأليف في فكر النهضة العربية والنقد الأدبي للرواية العربية. طبق أدوات التحليل النفسي على نقد الرواية وعلى نقد الثقافة العربية. اتجه إلى البحث في التراث وأنتج موسوعته "نقد نقد العقل العربي"، التي احتوت على قراءة ومراجعة لكل من التراث اليوناني والأوروبي الفلسفي، وللتراث العربي الإسلامي الفلسفي والكلامي والفقهي. جاء في مقدمة حوار له مع جريدة الشرق الأوسط (يناير 2008)،

"في الحديث عن الباحث والمفكر السوري جورج طرابيشي، لا بد للمرء أن يتوقف طويلا أمام إنجازاته الفكرية الكبيرة. فإضافة إلى ترجماته لكبار المفكرين والفلاسفة الغربيين أمثال هيغل وفرويد وسارتر وسيمون دو بوفوار، والتي فاقت 200 كتاب، وضع طرابيشي عدداً من الدراسات والأبحاث في مجال الفكر والفلسفة والنقد الأدبي، أبرزها: "الماركسية والمسألة القومية"، "المرض بالغرب"، "هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية"، "الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية" و"شرق وغرب رجولة وأنوثة ـ دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية".
غير أن أبرز المشاريع الفكرية التي تصدى لها جورج طرابيشي، كانت من خلال عمله الموسوعي نقد نقد العقل العربي، والذي يعتبره الباحث السوري عبد الرزاق عيد أحد أهم ثلاث موسوعات فكرية تناولت التراث الفكري العربي ـ الإسلامي في القرن العشرين. والإشارة هنا إلى موسوعة المفكر المصري أحمد أمين عن فجر وضحى وظهر الإسلام، وموسوعة المفكر المغربي محمد عابد الجابري نقد العقل العربي. فقد حاول طرابيشي عبر 20 عاماً هي عمر مشروعه، الرد على مشروع الجابري من خلال إعادة قراءة التراث العربي، وتوظيفه لاحقا في معركة الحداثة في وجه دعاة القدامة."

مساره الفكري

ينقسم المسار الفكري، عموما، عند جورج طرابيشي إلى مرحلتين أساسيتين، كل منها كان له مساره الخاص أيضا. في المرحلة الأولى تبنى الأيديولوجيات الغربية الحديثة من ماركسية إلى قومية، مع قطيعة تامة مع التراث. وفي الثانية اتجه إلى اكتشاف التراث، عموما، وإلى نقد عمل الجابري "نقد العقل العربي"، خصوصا. في حوار مع جريدة الحياة (يناير 2006)، يقول،

"لا بد أولا من الاعتراف بأن الجيل الذي انتمي إليه، والذي أتى تالياً لجيلين نهضويين، فسميناه جيل الثورة، عاش وعشنا معه قطيعة كاملة مع التراث. لقد اتجه تفكيرنا واتجه بنياننا الذهني كله إلى الأيديولوجيات الغربية الحديثة التي، تحولت كلها على أيدينا إلى كتب مقدسة سواء كانت ماركسية أو قومية أو اشتراكية أو وحدوية. عشنا قطيعة تامة مع تراث كنا ننظر إليه على انه ليس أكثر من كتب صفراء. بعد ذلك أمام فشل مشروعنا "التحديثي" وخيبته، إزاء فشل ثورتنا التي لم تنجح إلا في إحراقنا وإحراق نفسها، ثم أمام السقوط المدوي للأيديولوجيات والذي تلى اكتشافنا حقيقة تلك الفضيحة التي طاولت الماركسية من طريق حكم باسمها دام ثلاثة أرباع القرن، حدث تبدل أساسي، خصوصاً أن ذلك كله تلى هزيمة العام 1967، ثم امتداد أفكار التطرف والعنف، باسم الإسلام.
إن هذا كله جعلنا، أو جعلني أنا شخصياً على الأقل أعيد النظر في موروثي الثقافي لأكتشف ما كان بيني وبين التراث من قطيعة. والحال إن هذه القطيعة بدت لعيني اكبر حين اضطرتني الحرب اللبنانية للرحيل إلى باريس هرباً وخصوصاً من الاقتتال الطائفي في لبنان الذي كنت أقيم فيه عند ذاك. إزاء هذا كله راحت تتفاعل لدي، وعلى غير توقع مني، علاقتي مع التراث، إذ اكتشفت فيه بديلاً عن الوطن الذي غادرت. ومن هنا جاء اهتمامي بمشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري الذي كان أول من طرح فكرة نقد العقل العربي، راغباً لنفسه أن يكون ابستمولوجياً (معرفياً) في نقده، متكئاً على المناهج الحديثة. لقد وجدت في مشروعه، أول الأمر، نقيضاً للمشروع الذي كنت عشت عليه. غير أن رحلة إعجابي بالجابري لم تدم طويلاً... إذ شعرت بسرعة أن هذا المفكر أصاب العنوان لكنه أخطأ الهدف. أي انه لم يقم بعملية النقد التي اعتقدناها. بل صادر عملية النقد في الوقت الذي كنا في أمس الحاجة إليها. وفي المقابل اكتشفت هنا في الغرب، أن هذا الغرب لم يبن نفسه إلا بقدر ما نقد نفسه. العقل الغربي صار متفوقاً وعالمي الحضارة حين مارس النقد الذاتي. أما نحن الذين لدينا موروث لا يقل أهمية أو حجماً عن الموروث الغربي، فإننا لن نستطيع أن نباشر مهمة التحديث والوصول إلى النهضة المرجوة ما لم نقم بالعملية النقدية نفسها التي اخضع الغرب نفسه لها. لن نستطيع أن نخوض معركة الحداثة ونحن عراة من النقد الحقيقي.
"

هذه التحولات التي مر بها فكر طرابيشي لم تمثل عملية "استبدال" لتوجهات معينة محل أخرى وإنما مثلت عملية نقد ذاتي مستمر وتراكم وإعادة بناء،

"هذه المسيرة من التغيرات المتواصلة لا تعني إنكار كل ما تم تجاوزه، بل بالعكس، فمن خلال التاريخ والتغير وتصفية الحساب تتم أيضا عملية تراكم وإعادة بناء. ولئن تجاوزت مراحلي القومية والوجودية والماركسية والتحليلية النفسية، فهذا لا يعني أني لم أحتفظ من هذه المحطات بعناصر ما زالت تلعب دورها في المحصلة النهائية لمسيرتي الفكرية. وهكذا أستطيع اليوم أن أستفيد من جميع خبراتي السابقة كي أطوّر رؤية مركبة ومعمّقة للواقع الذي نعيشه، والذي يمثل انعطافاً جديداً في مسيرة العالم العربي، من خلال انبثاق ظاهرة الأصولية المنداحة موجتها اليوم، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية في تحولي الفكري من نقد الرواية إلى نقد التراث العربي الإسلامي، كما تجلى في مشروع نقد نقد العقل العربي الذي أخذ، ولا يزال، بعداً موسوعياً، ما كنت أنا نفسي أتوقعه عندما شرعت به قبل أكثر من 20 عاماً." (حوار الشرق الأوسط 23 يناير 2008)

المشروع الفلسفي

المشروع الفلسفي عند جورج طرابيشي له ثلاثة جوانب. الجانب الأول يعمل على نقل وترجمة عيون الفكر الغربي الحديث والمعاصر إلى العربية. والثاني يختص بنقد الفكر العربي/الإسلامي الحديث والمعاصر. أما الجانب الثالث فمخصص للبحث في التراث معتمدا على تنفيذ عملية نقد واسعة لمشروع الدكتور محمد عابد الجابري المعنون "نقد العقل العربي". وبالنسبة لطرابيشي ليس العمل الذي يقوم بنقده، وهو "نقد العقل العربي"، سوى مناسبة لتأكيد موقفه الفلسفي والتعمق في البحث في التراث. يوضح ذلك في مقدمة كتابه "نقد نقد العقل العربي العقل المستقيل في الإسلام" كما يلي،

"لامني أكثر من صديق وقارئ على كوني وضعت نفسي في مأزق عندما كرست كل هذا الوقت (نحوا من خمسة عشر عاما) وكل هذا المجهود (أربعة مجلدات حتى الآن) لأرد على مشروع الجابري في "نقد العقل العربي" بدلا من أن أنصرف إلى إنجاز مشروع شخصي في قراءة التراث العربي الإسلامي.
هذا المأخذ صحيح وغير صحيح في آن. فهو صحيح ما دام كل "مشروعي" لا أحب كثيرا هذه الكلمة المتنرجسة قد انحصر بنقد للنقد. ولكن هل فعلا ما فعلت شيئا سوى أن "رددت" على الجابري؟
لا أعتقد... فالواقع أن الجابري قدم لي المناسبة، التكئة، نقطة الانطلاق، ولكن ليس محطة الوصول. فقد كف مشروعي عن أن يكون مشروعا لنقد النقد ليتحول أيضا إلى إعادة قراءة وإعادة حفر وإعادة تأسيس. أو هذا ما أرجوه على الأقل. وحسبي دليلا على ما أقول أن الجابري لم يكتب، مثلا، سوى نصف صفحة، لا أكثر، ل"يهرمس" كتاب الفلاحة النبطية لابن وحشية ولينسبه إلى علوم "العقل المستقيل". وهأنذا أكتب نحوا من تسعين صفحة لأعيد بناء هذا الأثر النادر من الموروث القديم في عقلانيته العلمية السابقة لأوانها تاريخيا." (العقل المستقيل في الإسلام ص9).

منهجه

يعتمد جورج طرابيشي في مشروعه الضخم على نوعين أو مستويين للمناهج. الأول خاص بمعالجة المشكلات المعاصرة لقضايا النهضة والحداثة، والثاني خاص بقضايا التراث ومشروع "نقد نقد العقل العربي". بالنسبة للقضايا المعاصرة يستخدم طرابيشي منهج التحليل النفسي من أجل نقد الواقع الفكري والثقافي العربي، يقول في ذلك،

"لا بد، كما في كل مقدمة من وقفتين: واحدة عند المنهج وأخرى عند الموضوع. وأما المنهج وهو هنا التحليل النفسي فقد كنا داورناه بقدر أو بآخر من اليسر في دراساتنا عن الرواية العربية. وقد كانت المهمة سهلة، والخصوبة مضمونة نسبيا. فالرواية العربية كانت ولا تزال، في تيارها الأعرض، رواية سيرة ذاتية. والحال أن التحليل النفسي، الذي رأى النور مع التحليل الذاتي الذي أخضع فرويد نفسه له، كان ولا يزال بامتياز منهجا لكتابة السيرة الذاتية أو لإعادة قراءتها.
ولكن الصعوبة التي واجهتنا، في محاولتنا تمديد الخطاب العربي المعاصر على سرير التحليل النفسي، هي البنية "الموضوعية" لهذا الخطاب، المستقلة ظاهريا عن ذاتية منتجيه، فضلا عن أن فاعل الفعل في عملية إنتاج هذا الخطاب هو واو الجماعة، وليس ضمير الأنا المتكلم. ولا يتسع لنا، في إطار هذه المقدمة، أن نفيض في الكلام عن الكيفية التي أمكن لنا بها أن نتغلب على ما نعتقد على هذه الصعوبة. ولكن حسبنا الإشارة إلى أن الرضات الكبرى في تاريخ الجماعات والشعوب ومنها على سبيل المثال رضة حزيران يونيو 1967 من شأنها أن تولد سلاسل متناظرة من ردود الأفعال المتطابقة أو الموحدة بحيث تبدو الجماعة وكأنها تسلك سلوك الفرد الواحد، وبحيث يمكن اتخاذها موضوعا لعلوم الذاتية البشرية، ومنها التحليل النفسي الذي ما منعه انتماؤه المجهور به إلى علم النفس الفردي من أن يطور فروعا وشعبا في مضمار علم النفس الجمعي." (المثقفون العرب والتراث :التحليل النفسي لعصاب جماعي، ص 9)

إضافة إلى ذلك يعتمد طرابيشي على إعادة تأويل النصوص من خلال فهمها في إطارها التاريخي وسياقها الاجتماعي،

"أنا لا أفسر الحداثة على أنها قطع، فالقطيعة المعرفية شيء، والقطيعة من النص شيء آخر، والحداثة هي قطيعة معرفية.. وما هي القطيعة المعرفية؟: أن تتم على مستوى النصوص وفهمها، وإعادة تأويلها، وليس إهمالها، فنحن أمة تراثية، ملبوسون بالتراث من قمة رأسنا إلى أخمص قدمنا، وبالتالي لا نستطيع أن ندخل الحداثة عراة من هذه النصوص فهي مؤسسة لكل ما فينا.
إذن حتى ندخل الحداثة لا يجب علينا أن ننقطع من النصوص، ولكن يجب علينا إعادة تأويلها، وأن نربط النصوص بتاريخها وسياقها، ونفهمها على ضوء حاجاتنا نحن لا كما فهمها الأقدمون على ضوء حاجاتهم هم، وكما كان يقال: هم رجال ونحن رجال." (حوار إسلام أونلاين، يوليو 2008)

أما بالنسبة للتعامل مع التراث من خلال مشروع "نقد نقد العقل العربي"، فيستخدم المنهج التفكيكي من أجل إعادة النظر في الأسس المعرفية "الإبيستيمولوجية" للنص الجابري، ثم منهجي الحفر الأركيولوجي، والنقد التاريخي من أجل الوصول إلى الأصول التراثية للمفاهيم والمقولات الواردة في هذا النص، ثم أخيرا منهج التركيب من أجل إعادة بناء هذه المفاهيم والمقولات في صورتها الصحيحة بناء على نتائج النقد. ومن أمثله هذا المنهج النص التالي،

"تقنية التلصيق المفاهيمي التي تمارسها الإبستيمولوجيا الجابرية تخل بكلا الشرطين معا. فهي تنزع المفاهيم من نسقها الأصلي نزعا عنيفا وتزج بها زجا لا يقل عنفا في نسيج النسق الجديد. فالإبستيمولوجيا الجابرية تبضع مفاهيمها من جسم وتخيطها في جسم آخر بدون أي احتراز منهجي، وبدون صيانة لحرمة أي من الجسمين ولسؤددهما الذاتي، وبدون قلق حتى على مصير العضو المزروع. فحسبه أن يخاط بإبرة غليظة ولو ظل موضع فصله ووصله داميا متقرحا.
وبما أن التشبيه، ولو كان تمثيليا، لا يقوم مقام الدليل، فنأت ببرهاننا على ما نقول،
لقد وجدنا ناقد العقل العربي يستعير، باعترافه، مفهوم النظام المعرفي (الإبستمية) من فوكو. ووجدناه يستعير، بغير اعترافه، مفهوم البنية اللاشعورية من ليفي- ستراوس.
وبما أن هذه الاستعارة المزدوجة جاءت لا من مصادرها، بل مفصولة عن سياقها، فقد توهم ناقد العقل العربي أنه مستطيع أن يلصق المفهومين أحدهما بالآخر لصق محمول بموضوع، علما بأن مفهوم البنية اللاشعورية يتناقض تعريفا مع مفهوم النظام المعرفي. فالمعرفة تراكم في الوعي. ومهما يكن لها من معينات لاشعورية، حتى على صعيد آليات إنتاجها، فإنها لا تكون معرفة إلا بقدر ما تمثل انتقالا من الوعي إلى مزيد من الوعي. وكما يقول جان بياجيه وهو كما سنرى أحد مراجع الجابري فإن المعرفة، وحصرا بالمعنى الإبيستيمولوجي للكلمة، هي المعرفة باغتناء المعارف أو "دراسة آليات نمو المعارف...والانتقال من حالات معرفة أقل إلى حالات معرفة أكثر. بل إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الإبستيمولوجيا هي بالتعريف "معرفة المعرفة"، فإن حد النظام المعرفي لثقافة ما بأنه "بنيتها اللاشعورية" يلغي الإبستيمولوجيا كما رأينا لصالح الإثنولوجيا ويتراجع بالثقافة المعنية من حالتها العالمة إلى حالتها العامية، أو بالمصطلح الأرسطي (الذي يحسبه الجابري سبينوزيا كما رأينا في نظرية العقل) من حالتها الطابعة إلى حالتها المطبوعة، أو إذا شئنا من تاريخها المكتوب إلى ما قبل تاريخها اللامكتوب." (إشكاليات العقل العربي 291-292)

الإسلام الحضاري

الموقف الفلسفي الأساسي الذي يدافع عنه جورج طرابيشي في مرحلته الفكرية الثانية هو ما يمكن أن نسميه "الإسلام الحضاري". فطرابيشي يتعامل مع الإسلام ذاته، كدين، ومع التراث الإسلامي (بكافة جوانبه الفقهية والكلامية والفلسفية والعلمية) باعتبارهما تراث الذات العربية. والمنطلق الفكري الأساسي الذي ينطلق منه في هذا الموقف هو مفهومه عن علمانية الإسلام. أن الإسلام ليس فيه تقديس سوى للقرآن الكريم، وأن كافة الممارسات المجتمعية "الإسلامية" الأولى، أي في صدر الدولة الإسلامية، كانت ممارسات علمانية. ليس هذا فقط وإنما هو يؤسس لموقفه هذا اعتمادا على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية وممارسات المسلمون الأوائل.
يظهر ذلك بشكل واضح تماما في حواراته المتعددة التي يقرر فيها موقفه هذا، وفي تحليلاته المتعمقة للتراث في مشروعه "نقد نقد العقل العربي". في حوار مع مجلة العربي الكويتية (يونيو 1998) يدافع عن هذا الموقف كما يلي،

"وبالفعل القضية هي أننا نحن الذين نتيح لهذا الآخر أن يملأ فراغ الذات بقدر ما في هذه الذات من فجوات وثغرات، وأعتقد أن هناك ضرورة لسد هذه الثغرات، كما ان هناك ضرورة لمعرفة أننا كأمة نملك أعرق وأضخم تراث بين أمم وشعوب العالم ـ حتى التراث اليوناني لا يعد لا من قريب ولا من بعيد في حجم التراث العربي والإسلامي، والهند على مالها من تراث هائل لا يقارن حجم تراثها هذا بحجم التراث العربي، وبرغم هذا فنحن الأمة الوحيدة التي لا تملك معهدا عربيا مشتركا للدراسات التراثية وأعتقد أن الحاجة ماسة لإقامة مثل هذا المعهد، فهو في تقديري لا يقل أهمية عن الجامعة العربية من حيث فعاليته على المدى البعيد.
لابد أن نتصالح مع هذا التاريخ القديم، لأننا نحن أبناء هذه الاستمرارية التاريخية التي بدأت ما قبل الإسلام، كما أننا لا نستطيع أن نفهم الإسلام دون أن نرجع إلى الجاهلية وإلى ما قبل الجاهلية أيضاً لأن ثمة تراثا قد يساعدنا على تفهم أنفسنا.
إن العودة إلى الماضي تساعدنا على معرفة هويتنا. فنحن تطور لهذا الماضي الذي يمتد إلى آلاف السنين قبل الإسلام وبعد الإسلام، والشعوب التي ليس لها ماض، تخترع ماضيها، ... وهنا أيضا سنلاحظ أننا في عملية بناء الماضي جرى حتى تجريدنا من ماضينا. وجرى تغريبنا نحو الغرب وفعلا أنا أعتقد أن قضية الماضي قضية أساسية، ولكنها مشروطة بقراءة حديثة، فنحن نريد الماضي، معاصرا لنا لا أن نتحول إلى معاصرين له ـ وهنا ألاحظ أن القراءة الحديثة التي تنطلق من معطيات الحداثة ومن مناهجها لتقيم هذه الاستمرارية مع الهوية التراثية تستطيع أن تضيف وأن تغني الذات، وسأضرب على ذلك مثالا بسيطا بابن خلدون الذي هو في نظري المرجع الموضوعي للحضارة العربية الإسلامية، هو الفعل الأكبر الذي أنتجته هذه الثقافة وجرى اكتشافه بفضل منهجية الحداثة بعد أن عاش مستبعدا من حقل التداول وكذلك ابن رشد."

 ثم، يدافع في نفس الحوار عن الحضارة العربية الإسلامية وقدرتها على استيعاب الحضارات الأخرى كما يلي،

"بصفتي باحثا في الدراسات التراثية أعود إلى التجربة التاريخية للعقل العربي الحالي نفسه، ما الذي نلاحظه في هذه التجربة التاريخية العربية الإسلامية؟ إن تحدي التغيير والاستجابة لم يواجه قط عقلا كما واجهت العقل العربي الإسلامي نفسه، لماذا؟ لأن هذه السرايا الأولى التي انطلقت خرجت من قلب الجزيرة، من الحجاز ومن نجد ودخلت فورا في منطقة حضارية متراكمة سوريا ومصر والعراق وفارس، ما الذي حدث؟ واجهت حضارات وثقافات عريقة متطورة في حين أن العرب المسلمين في اندفاعتهم الأولى ما كانوا على نفس هذه الهوية الثقافية. واجه العقل العربي الأول هذا التحدي الحضاري الكبير، فماذا حدث؟ في الحال استوعبه، هضم كل الموروث الحضاري للمنطقة وانطلق فيه وأبدع ثقافة وحضارة جديدة.
سأضرب مثالا واحدا على ذلك، من المعلوم أن عرب الجاهلية كانوا يخافون من البحر، حتى بعد الإسلام حينما أراد عمرو بن العاص أن يبني للجند العرب مدينة عندما فتح القاهرة قال له عمر بن الخطاب ابنها حيث شئت ولكن لا تجعل بيني وبينك البحر وهذا معناه أن ممارسة العربي آنذاك كانت تتخوف ولا تتعامل مع البحر ومع ذلك في مدى عشرين سنة لا أكثر، معاوية الذي أصبح واليا على دمشق بنى خلال ثماني سنوات من ولايته أسطولا، وبهذا الأسطول حاصر القسطنطينية نفسها، إذن قدرة هذا العقل عجيبة على استيعاب التراكم الحضاري ثم تجاوزه بعد ذلك، ولا يأتي القرن الأول للإسلام، حتى يخترع الخليل بن أحمد الفراهيدي علم العروض وعلم اللغة وذلك في منتصف القرن الثاني، ثم يضع الشافعي علوم الفقه."

 ولا يكتفي طرابيشي بالدفاع عن الإسلام بالمعنى الحضاري اعتمادا على التحليل التاريخي وإنما أيضا من خلال تحليل النصوص المرجعية للإسلام، فهو يخطط للتعامل مباشرة مع النص القرآني. أي للدفاع عن مفهومه للإسلام الحضاري من مركز الفكر الإسلامي ذاته، وهو القرآن الكريم. في حوار مع موقع إسلام أونلاين (يوليو 2008) يقول،

"لا لم أستبعد النص، وهو مشروعي في العمل القادم، فكتابي الجديد الذي أعده يحمل هذا العنوان الكبير، والذي قد يكون فيه قدر من الجرأة، وربما قد يبدو لبعضهم استفزازيا سميته "الله والرسول: الشارع والمشرع له" ففي القرآن التشريع لله وحده، وحتى الرسول لا يملك حق التشريع، واستندت إلى العشرات من الآيات التي تكف يد الرسول عن كل شيء، إلا أن يوحى إليه، فإذا ما أوحي إليه فقد تكلم الله، وأما إذا ما تكلم الرسول فهو قد يخطئ وقد ينبهه القرآن {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} (الآية 46 سورة الحاقة)؛ لأن الرسول بشر وهذه قيمة كبرى للإسلام وهي بشرية الرسول، بخلاف الأديان الأخرى التي ألهت النبوة، كما حدث في المسيحية عندما جعل من المسيح إلها، فإذن في القرآن نفسه هناك ثنائية كبيرة بين الله والرسول البشر، وبين المرسل الذي هو إله والمرسل إليه الذي هو بشر، وهذا تمييز كبير موجود. ومن هنا أنا لم أستبعد النص التأسيسي ولكن أفردت له كتابا جديدا أتمنى أن يتاح لي الوقت لأتابع فيه المشروع الذي بدأته."

 ويظهر عمق تعامله مع "الإسلام الحضاري" في كتاباته جميعا، في مرحلته الثانية عموما، وفي مشروعه لنقد نقد العقل العربي خصوصا. يتبين ذلك بشكل واضح، على سبيل المثال، في النص التالي حيث يناقش ما يسميه "تضخم الحديث"، والتأثير السلبي، من وجهة نظره، لذلك التضخم، كما يلي،

"وخلافا للفرض القائل بأن الفقه، عامل تضخم الحديث، هو التعبير الأكثر إسلامية عن الإسلام، فإننا نعتقد أن البنية الدينية القديمة للمنطقة ولشعوب البلدان المفتوحة هي التي تظاهرت من خلال انتفاش الرسالة الإسلامية في التاريخ كما في الجغرافية. وبانتظار "حفريات" تتوسل بوسائل المعرفة الحديثة وتذهب بجرأة إلى جذور ظاهرة تضخم الحديث، فإننا سنلاحظ من جانبنا أن هذا التضخم شكل في واقع الأمر ضربا من الإزاحة للمعقولية القرآنية أخرجها عن مسارها البديء. فخلافا لنظرية النبوة اليهودية ولفرضية التجسد المسيحية، فإن ما ميز الواقعة الواقعية القرآنية وخصصها هو مفهوم الرسالة الكتاب التي يؤديها رسول بشر لا يعلم الغيب ولا يأتي المعجزات. ورغم توفر حديثين أو ثلاثة حول بشرية الرسول، فإن المنطلق المباطن لإنتاج الحديث ولتدوين السنة المحمدية (أو العلوية) هو منطق تقديسي، بل تأليهي. ورغم الضوابط الفقهية التي نصت على الأولوية التشريعية للقرآن، فقد رفعت السنة إلى المرتبة الأولى عينها، بل اعتبرت، تماما كالقرآن، وحيا إلهيا. يقول الغزالي في "المستصفى": "إن الكل من عند الله". ويقول: "إن كلام الله واحد وليس بكلامين، أحدهما في قرآن والأخر ليس بقرآن". ويقول: "إن الاختلاف بينهما بالعبارة فقط، فربما عبر الله عن كلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته فيسمى قرآنا، وربما عبر بلفظ غير منظوم فيسمى سنة، والكل مسموع من الله". ومن ثم فقد أجاز الغزالي، ومعه مدرسة بكاملها، نسخ القرآن بالسنة، رغم ما بين الاثنين، عند كثرة من الفقهاء والأصوليين، من فارق في القوة التشريعية." (إشكاليات العقل العربي ص 66-67)

ولا يكتفي طرابيشي بذلك وإنما يدافع دفاعا تحليليا-تاريخيا عن الإسلام "الحضاري" باعتباره أكثر عقلانية من المسيحية "الحضارية"، يقول،

"إن هذه الرؤية المانوية لمسيحية عقلانية منفتحة على الفلسفة ولإسلام منغلق دونها وبالتالي غائب عنه "العقل الكوني"، لا تدع مجالا للشك في أن صاحب النص يتبنى أو يعيد لحسابه الخاص، إنتاج ذلك الشق من الأيديولوجيا الاستشراقية الذي ما فتئ يسعى، في سياق المركزية الإثنية الأوروبية، إلى تكريس وعي تاريخي كاذب، فحواه أن المسيحية النازحة غربا انفتحت على ما انغلق دونه الإسلام "الآسيوي"، فكان تقدمها في ظل الحضور "الدائم" للعقل الكوني، بينما كان تأخر الإسلام في ظل غياب هذا العقل.
وأما أن هذه رؤية أيديولوجية، أي غير مطابقة لأي واقع تاريخي، فذلك جوهر الأطروحة المركزية لهذا الكتاب الذي بين يدي القارئ.
وأما الادعاء بأن السلطة الكنسية وظفت "المعقول العقلي اليوناني" في نضالها المتواصل ضد الغنوص "طوال القرون الأربعة الأولى من ظهور المسيحية"، بينما استغنت عنه من البداية "السلطة المرجعية الدينية في الثقافة العربية"، فهو نموذج لوعي أيديولوجي لاواع، وبالتالي لانقدي، أو لاتفكيكي كما بات يقال اليوم.
ولسوف نرى أن هذا الوعي اللاواعي يصادم الحقيقة التاريخية مصادمة جبهية في كلتا المقدمتين اللتين يصدر عنهما:
فليس، أولا، من سلطة دينية عادت الفلسفة واستغنت عن الموروث العقلي اليوناني كما عادتها واستغنت عنه مسيحية القرون الأولى.
وليس يصدق، ثانيا، أن السلطة المرجعية الدينية في الثقافة العربية الإسلامية قاطعت المنظومة الأرسطية، والمعقول العقلي اليوناني بصورة أعم، إلا بقدر ما يتم تقليص هذه السلطة المرجعية إلى محض سلطة فقهاء وهذا ما يفعله الجابري عندما يعرف الحضارة الإسلامية بأنها "حضارة فقه" مع أن أهم ما يميز السلطة المرجعية الدينية في إسلام القرون الأولى هو ازدواجها إلى سلطة فقهاء معادين لـ"علوم الأوائل" وإلى سلطة متكلمين كان لهم سبق، حتى على لاهوتيي مسيحية العصور الوسطى اللاتينية، في توظيف الفلسفة في خدمة اللاهوت." (مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام، ص 9-10)


نقد نقد العقل العربي

"نقد العقل العربي"، هو مشروع ضخم للدكتور محمد عابد الجابري مكون من أربعة أجزاء ، "تكوين العقل العربي"، "بنية العقل العربي"، "العقل السياسي العربي"، و"العقل الأخلاقي العربي"، ويمكن إضافة عمله السابق على هذه الأجزاء المعنون "نحن والتراث" إلى ذات المشروع. ويتضمن هذا المشروع تحليلات وتفصيلات موسوعية للتراث العربي/الإسلامي انتهت إلى عدد من المقولات أهمها وأشهرها هي تقسيم العقل العربي/الإسلامي إلى المدرسة المشرقية والمدرسة المغربية، الأولى بيانية عرفانية (أي دينية لاعقلانية)، والثانية برهانية (أي علمانية عقلانية).
ومشروع جورج طرابيشي لنقد "نقد العقل العربي" هو في جوهره "نقض" للأسس المعرفية "الإبستيمولوجية" التي يقوم عليها هذا المشروع، ومن ثم "نقض" للنتائج التي انتهى إليها. ويمكن تقسيم نقده لهذا العمل إلى نقد للمنهج الذي اعتمد عليه الجابري، ونقد للوقائع التي اعتمد عليها الجابري، ثم نقد لما يسميه التوظيف الأيديولوجي للمنهج والوقائع.
وبناء على هذه المستويات المتعددة للنقد يتهم طرابيشي الجابري بأنه "يزيف على نطاق واسع الشواهد والوقائع العلمية"، وبأنه يخطئ في الفهم الصحيح للأسس الإبيستيمولوجية التي يبني عليها مشروعه ومن ثم يتهمه "بالانتهازية الإبيستيمولوجية"، ثم يتهمه كذلك بأنه يتعمد إنشاء تصورات إبستيمولوجية معينة لتحقيق أهداف أيديولوجية. وفي المجمل يرى طرابيشي أن هذا المشروع لا ينطبق عليه العنوان "نقد العقل العربي"، وأنه بدلا من ذلك أجهض هذا الهدف.

يذكر طرابيشي أنه في البداية قد "سحر" بالجزء الأول من المشروع ولكنه بعد ذلك اكتشف أنه يصوغ إشكالياته من شواهد مزيفة، في حوار مع جريدة الشرق الأوسط يقول،


"هذه ليست تهمة، فأنا نفسي صرحت وكتبت مراراً أنني ُسحرت في أول الأمر سحرا حقيقيا بكتاب الجابري تكوين العقل العربي. وقد كتبت عنه في حينه في مجلة الوحدة أنه ليس كتابا يثقف بل هو أيضا كتاب يغيّر، فمن يقرأه لا يعود بعد قراءته كما كان قبل قراءته.
وأعتقد أن هذا مديح كبير للجابري، ولكن هذا المديح نفسه هو ما جعلني أنتقل إلى موقع نقد النقد عندما اكتشفت، وربما من قبيل الصدفة البحتة، أن الجابري يصوغ إشكالياته، التي بدت لي في أول الأمر آسرة، انطلاقاً من شواهد مزيفة، بل انطلاقاً من شواهد يزيفها عن عمد لتخدم ما يصوغه من إشكاليات بحيث يجبر قارئه على أن يعطي لهذه الإشكاليات الأجوبة التي يريد له أن يعطيها، انطلاقاً من موقف إيديولوجي محدد ومسبق...
هناك مأخذ آخر، يتمثل بتوظيفه الإبستيمولوجيا في خدمة الإيديولوجيا. وهي إيديولوجيا متعصبة لما يسميه بالعقلانية المغربية ضد اللاعقلانية المشرقية، وللبيان السني ضد العرفان الشيعي، وللإسلام السياسي في خاتمة المطاف ضد الإسلام الروحي. ولكن أنا مدين للجابري، ولأعترف بذلك، فقد اضطرني إلى أن أخضع نفسي قبل أن أخضعه هو نفسه لمراجعة حساب شاملة. وهكذا، عدا أنني تمكنت من اكتشاف المئات من الشواهد التي زيفها الجابري، فقد أعدت بناء ثقافتي التراثية، وأنا لا أزال منذ أكثر من 20 عاماً في رحلة في طوايا هذا التراث، الذي قد يتطلب النفاذ إليه عمراً بكامله، وليس سنوات قليلة من العمر المتبقي." (حوار الشرق الأوسط يناير 2008)

ويهاجم طرابيشي المقولة المركزية في مشروع الجابري كما يلي،

"لا يمثل الغرب والشرق في مشروع الجابري مقولتين جغرافيتين، بل هما مرفوعتان عنده إلى مقولتين إبستمولوجيتين، أي مقولتين تحددان النظام المعرفي للعقل بما هو كذلك. فما ينتمي إلى الغرب يمثل مبدأ المعقولية في أعلى أشكاله: البرهان. أما ما ينتمي إلى الشرق فنصيبه من مبدأ المعقولية مخفوض إلى مرتبة البيان، هذا إن لم يترد إلى مرتبة أكثر تدنيا، هي مرتبة العرفان المملكة السفلية للامعقول في حال إيغاله في التشريق صدورا عما يمكن اعتباره "شرق الشرق".
على هذا النحو يحاول الجابري تبرير موقفه الإعدامي من ابن سينا ومن شريكيه في "الثالوث غير المقدس" الذي شكله معه "العرفانيان" الرازي والغزالي، بقوله: "إن ابن سينا، الذي قلت، وأعود فأقول إن ابن رشد (الغربي) قد أحدث قطيعة مع فلسفته، هو، أي ابن سينا، من الشرق البعيد، من بخارى، من بلاد العجم. إنه هو، والرازي الطبيب الغنوصي، والغزالي، ينتمون جميعا إلى "مشرق" يقع بعيدا عن الرقعة التي تمتد من المحيط إلى الخليج"." (العقل المستقيل في الإسلام ص11)

ويرى أن المشروع قد فشل (أجهض) كما في النص التالي،

"وفي سياق هذا المأزق التاريخي المستجد فإن تصدي الجابري لنقد العقل العربي لم يتمخض رغم ضخامة العنوان إلا عن مشروع مجهض. أولا لأن الجابري تبنى لحسابه خطيئة عصر النهضة بإعلانه عن عدم أزوف ساعة الثورة اللاهوتية، وبالتالي عن ضرورة إرجائها إلى أجل غير مسمى. وثانيا لأن تحقيبه المغلوط لعصر التدوين، وعدم استيعابه للإشكالية اللالاندية عن جدلية العقل المكوِّن والعقل المكوًّن، وتقسيمه "البنيوي" لأنظمة المعرفة إلى بيان وعرفان وبرهان، قد جعله يخطئ الهدف ويخوض معركته الفاصلة ضد أبرز ممثلي العقل المكوِّن في الحضارة الإسلامية من أمثال جابر بن حيان والرازي في العلم والفارابي وابن سينا في الفلسفة وأهل القياس في اللغة والفقه وأهل الاستنباط في التصوف، منتصرا في الوقت نفسه لبعض من أبرز ممثلي العقل المكوًّن ممثلا بنصية ابن حزم وتزمتية ابن تومرت وسلفية ابن تيمية.
ولئن توج الجابري مشروعه لـ "نقد العقل العربي" بـ "دعوة عامة" من أجل "الشروع في تدشين عصر تدوين جديد"، فإننا نبيح لأنفسنا هذه المرة أن نتحدث عن إجهاض لفظي: فالحاجة تبقى ماسة إلى نقد وإلى إعادة تكوين للعقل العربي، لأن "التدوين"، باعتراف الجابري نفسه معناه أن كل شيء جاهز والمهمة منتهية سلفا." (إشكاليات العقل العربي ص 69-70)

ثم يهاجم طرابيشي "الإبيستيمولوجيا الجابرية" كما يلي،

"إننا لا نسوق هذا النص كي نناقشه، فهذا موضعه في فصل لاحق عن إشكالية التوزيع الثلاثي للنظام المعرفي إلى برهان وبيان وعرفان. وإنما نكتفي هنا بإبداء ملاحظتين ختاميتين. أولاهما أن التشنيع الدائم على العربية هو أحد ثوابت الإبستيمولوجيا الجابرية، وثانيتهما أن هذه الإبستيمولوجيا تباطنها إستراتيجية نقدية قابلة للوصف بأنها "انتهازية". فالجابري لا يتوقف أبدا في مشروعه النقدي عند الواقعة المركزية التي هي الواقعة القرآنية التي صنعت عظمة الحضارة العربية الإسلامية وحدودهما معا، بل هو يقفز "إبستيمولوجيا" إما إلى ما قبلها، أي إلى اللغة العربية بوصفها السلطة المرجعية للعقل العربي "القاصر"، وإما إلى ما بعدها، أي إلى "عصر التدوين" بوصفه الإطار المرجعي لهذا العقل." (إشكاليات العقل العربي 274-275)

وفي موضع آخر يهاجم نفس "الإبستيمولوجيا الجابرية" باعتبارها تهدف إلى تحطيم وحدة النظام المعرفي للعقل العربي، كما يلي،

"إن لهذا النص خطورته الخاصة لأنه يكشف عن الغائية المركزية التي توجه مشروع الجابري في نقد العقل العربي: التوظيف الأيديولوجي للإبستيمولوجيا لتحطيم وحدة النظام المعرفي لهذا العقل. وبما أن الغاية تبرر الواسطة كما يقال، فإن الجابري يستسهل رفع خصومة ابن رشد مع ابن سينا حول تأويل المنظومة الأرسطية إلى مستوى القطيعة المعرفية، ويستسهل بعد ذلك رفع المستوى التمثيلي لطرفي هذه الخصومة لتصعيد القطيعة المعرفية الشخصية المزعومة بينهما إلى قطيعة معممة، على مستوى بنية الفكر النظري، بين المشرق ككل والمغرب ككل، "روحا" و"نظام" و"عقلا"." (وحدة العقل العربي ص 139)

وبخصوص النتيجة النهائية التي انتهى إليها الجابري يعبر طرابيشي عن نوع من "الذهول" (أو الصدمة) من تقسيم النظام المعرفي العربي إلى ثلاثة نظم "قومية" مستقلة منفصلة، كما في النص التالي،

"ومما يذهل ولسنا نجد أخف من هذا التعبير أن ناقد العقل العربي لا يكفيه أن يؤسس كل عقل من هذه العقول الثلاثة في قوام معرفي قائم بذاته، ولا حتى أن "يؤقنمه" و"يجوهره"، بل يجنح أيضا إلى أن "يقومنه" ليجعل منه علامة فارقة لهويات حضارية قومية على نحو لم تجرؤ على مثله أكثر النظريات الأنثروبولوجية المثالية تطرفا عن "روح الشعوب" و"عبقرية الأمم". فبالحرف الواحد يقول، وبمنتهى اللامسؤولية العلمية: "إننا ننظر إلى العقل العربي بوصفه نتاج الثقافة العربية الإسلامية التي تأسست على نظم معرفية ثلاثة: نظام معرفي لغوي عربي الأصل، ونظام معرفي غنوصي فارسي الأصل، ونظام معرفي عقلاني يوناني الأصل"." (إشكاليات العقل العربي 285)

وعلى مستوى القضايا الموضوعية التي يطرحها مشروع نقد العقل العربي بهدف تأييد النتيجة النهائية التي يصل إليها، نجد أن طرابيشي يقوم بعمل تحليلات تفصيلية تاريخية وعمليات حفر معرفية متعمقة تهدف إلى تكوين التصورات الصحيحة عن هذه الموضوعات. واتخذت هذه التحليلات صورة موسوعية مقابلة للصورة الموسوعية للعمل الأصلي. من هذه الموضوعات هجوم الجابري على اللغة العربية من جوانب عدة، والنص التالي يبين، كمثال، أسلوب تناول طرابيشي لهذه القضية،

"إزاء هذه التوكيدات فإن توكيد الجابري المضاد بأن "اللغة العربية ربما كانت اللغة الوحيدة في العالم التي ظلت هي هي في كلماتها ونحوها وتراكيبها منذ أربعة عشر قرنا على الأقل" يغدو نوعا من تأسيس لأعجوبة. فهل الأعجوبة شيء آخر سوى ظاهرة انفرادية خارقة للقانون العام، سواء أكان هذا القانون طبيعيا أم لغويا؟ ولكن المشكل أن التفسير بالأعجوبة لا يفسر شيئا، بل يحتاج هو نفسه إلى تفسير. وموقف ناقد العقل العربي من اللغة العربية الناكر لتطورها وحدها دون غيرها من آلاف لغات العالم قد لا يكون قابلا للتفسير على صعيد النظرية اللغوية والمعرفة الواعية، بل حصرا على صعيد البنية النفسية التحتية اللاشعورية. وبدون أن نتورط في تحليل نفسي لا مكان له هنا، فسنكتفي بأن نلاحظ بأن اللاشعور قد يتفق له أن يماهي بين اللغة الأم ولغة الأم. وفي الحالة التي نحن بصددها فإننا قد لا نتهيب من الكلام عن إنكار عصابي. ففي النصوص التي تقدم الاستشهاد بها كان ناقد العقل العربي يتوقف في تجميده لتطور اللغة العربية عند عصر التدوين. ولكنه في هذا النص يلغي حتى "الفاصل الإبيستيمولوجي" الذي يفترض بعصر التدوين أنه يمثله، ليحجر على اللغة العربية في ثلاجة "أربعة عشر قرنا على الأقل". أهي إذن هفوة قلم؟ ولكن ألا يبدأ علم اللاشعور، كما يعلمنا الدرس الفرويدي، بعلم نفس الهفوات تحديدا؟
ومع أن التطور اللغوي بطيء للغاية في العادة ولا يقع تحت الشعور مثله في ذلك مثل من يتملى صفحة وجهه يوميا في المرآة فيرى نفسه في ثباته لا في تغيره فإن تطور اللغة العربية على مدى أربعة عشر قرنا قد أخذ على العكس شكل طفرات. وهذه الطفرات، المرئية بالعين المجردة، هي خمس عددا في تقديرنا. وسنعرض لها بأقصى ما يمكن من اختزال." (إشكاليات العقل العربي 207-208)


العلمانية

يتخذ جورج طرابيشي موقفا ثابتا من قضية العلمانية وهو أن الإسلام دين فقط، وأن العلمانية هي أساس الممارسات الإسلامية في الواقع حتى في العصور الأولى في الإسلام. بل وأكثر من ذلك فهو يرى أن مفهوم العلمانية في الإسلام أقوى منه في المسيحية، وأن هذا المفهوم كان موجودا في التراث الإسلامي قبل ظهوره في المسيحية الغربية. وهو يدافع بكل قوة عن مفهومه للعلمانية الإسلامية ومن قلب الفكر الديني الإسلامي ذاته. يظهر دفاعه ذاك في النص التالي في حوار مع موقع إسلام أونلاين،

"من الأسلحة الفتاكة التي حوربت بها العَلمانية (بفتح العين نسبة إلى العالم) في العالم العربي، وفي العالم الإسلامي معا القول إن العلمانية اختراع مسيحي، أو استقراء لأوروبا المسيحية التي أوجدت العلمانية حلا للصراع الكبير الذي امتد أكثر من مائة عام بين الكاثوليك والبروتستانت، وجاء عمل الاستشراق ليؤكد أن العلمانية هي بالفعل من وجهة نظر استشراقية ابتكار مسيحي لا يمكن أن يطبق على التاريخ الإسلامي؛ لأن العلمانية موجودة بالنص التأسيسي للمسيحيين الذي هو الإنجيل، ولا وجود لها في النصين التأسيسيين للإسلام اللذين هما القرآن والسنة معا...
ما وجدته في تاريخ الإسلام يعادل، بل يزيد بكثير عن هذه الجملة الإنجيلية المميزة بين الله وقيصر،... هناك حوالي خمس عشرة رواية تؤكد على هذا المنحى التمييزي بين الدنيا والآخرة، بين شئون الدنيا التي يعلمها الناس، وشئون الآخرة التي هي علم إلهي عند الله، وما أتى به الرسول فهو تركيز على الجانب الأخروي، وهذا في نص الحديث... أقول كل ذلك ردا على النظرة الاستشراقية التي تريد أن تخرج العالم الإسلامي خارج دائرة التاريخ الحديث، وأنه لا مدخل له في هذه الحداثة لسبب ديني، ودعوتي هي من أجل إعادة اكتشاف أهمية هذا الحديث الذي ورد بأكثر من خمس عشرة صيغة في جميع مسانيد كتب الحديث... فالإسلام على امتداد تاريخه عرف ازدواجية الدنيا والآخرة، وازدواجية الدولة والدين، والنبوة والملك، والخلافة والسلطان، فليست العلمانية من حيث أنها تميز بين المستويين بالجديد الطارئ على الإسلام، إنما هي جزء مؤسس له منذ حادثة السقيفة؛ إذن لا نستطيع أن نقول مرة أخرى: إن العلمانية كتمييز بين الديني والدنيوي لم يعرفها الإسلام، إننا يجب أن نقرأ تاريخنا بأعين جديدة حديثة، حتى نكتشف هذه الأبعاد التي أصبحت اليوم محجوبة عن الأنظار."

ولكن العلمانية على الرغم من ذلك ليست وصفة جاهزة للتطبيق وإنما يجب على المجتمعات العربية/الإسلامية صياغة تصورها الخاص للعلمانية، كما يلي،

"لقد أَثَرت أكثر من مرة في ما كتبت عن العلمانية، أن العلمانية في العالم العربي ليست صيغة جاهزة برسم التطبيق، بل المطلوب إعادة اكتشافها واختراعها وتطويرها لتكون متلائمة مع الواقع العربي ومتطلباته. أما العلمانية المترجمة حرفيا فلن يكون مصيرها أحسن من تلك الفلسفة العربية التي قلت للتو إنها مستحيلة الوجود لأنها بقيت مجرد فلسفة مترجمة. العلمانية في الغرب، وكما سأبين في كتابي القادم هرطقات 2 الذي سيصدر قريبا، قامت على أساس فصل الدولة عن الدين، وُحصر مجالها بالقطاع العام دون المجتمع. ولكني أعتقد أن الاكتفاء بالفصل بين الدين والدولة غير كاف في الساحة العربية، بل لا بد للعلمانية من أن تعمل مِعولها في عمق المجتمع نفسه، وإلا فسنواجه مأزقا كالذي يمزق تركيا اليوم، بسبب انقسامها إلى دولة معلمنة ومجتمع متأسلم أو أعيدت أسلمته." (حوار الشرق الأوسط يناير 2008)

ويؤيد طرابيشي تصوره للعلمانية الإسلامية من داخل النص القرآني نفسه، كما في النص التالي،


"تبقى أخيرا الآية 43 من سورة المائدة وفيها يرد تعبير "حكم الله" في سياق مغاير تماما، ودوما بدون أن يكون له علاقة بالحكم بمعناه السياسي أو الدستوري. فقد نزلت هذه الآية كما يقول الطبري في تفسيره الكبير "جامع البيان" في يهود المدينة عندما قدم على الرسول وفد منهم يطالبه بأن يبين ما هو حكم رجل وامرأة يهوديين ضبطا في حال الزنى، فاستغرب الرسول أن يحكموه مع علمهم ما هو حكم الزنى في التوراة، وأدرك أنهما ما جاءوه إلا ليمتحنوه أو ليستصدروا منه حكما مخففا. فأحالهم إلى التوراة قائلا لهم: "ما حكم التوراة في حال الزنى؟ فلم يجدوا مفرا من الاعتراف بأنه الرجم، مع أنه كان بودهم ألا يطبقوا هذا الحد لأن الرجل الزاني كان من أشراف يهود المدينة وأغنيائهم، وكان بودهم لو يجدوا له مخرجا. فنزلت الآية: "وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك، وما أولئك بالمؤمنين". والآية التالية لها: "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليا، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون".
والعجيب أن هذه الجملة الأخيرة من الآية 44 من سورة المائدة هي التي يشهرها دعاة الإسلام السياسي ليجعلوا من القرآن دستورا سياسيا وليطالبوا بتطبيق الحاكمية الإلهية. ولكن بما أن سياق الآيتين كلتيهما هو أن التوراة تتضمن حكم الله، وأن لم يحكم بما أنزله الله فيها فقد كفر، فقد كان يفترض بأنصار الحاكمية الإلهية، حتى يبقوا منطقيين مع انفسهم، أن يتخذوا دستورا سياسيا لهم لا القرآن وحده، بل كذلك التوراة." (هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة ص 38 )

مستقبل النهضة العربية

يرى جورج طرابيشي أن تحقيق النهضة العربية مرهون بتحرير العقل، عموما، وبتحقيق ثورة لاهوتية، خصوصا، من خلال عملية نقد جذرية للتراث. ويرى أن ذلك ليس متحققا حتى الآن، وربما لن يكون متحققا لفترة ليست قليلة من الزمن. يصف طرابيشي العوائق التي جابهت فكر النهضة العربية الحديث كما يلي،

"لقد نما مشروع النهضة العربية تحت وطأة وجود الاستعمار في بلادنا... وبالتالي كان على المثقف النهضوي أن يهدم ويبني في الوقت نفسه، كان عليه أن يحارب الاستعمار ويبني النهضة. فضاع بين الأمرين، فلا استطاع، هو أن ينتصر على الاستعمار لاحقاً، ولا استطاع أن يبني نهضة فكرية نقدية حقيقية. ونحن نعرف، من دون ذكر الأمثلة، أن عشرات من المفكرين العرب كتبوا تحت وطأة هذا المأزق في شقيه. ونعرف أن النقد لا يمكنه إلا أن يكون جذرياً... وأنا، بالنسبة إلي اكتشفت لاحقاً حاجتنا العربية الماسة إلى النقد... لكنني اكتشفت أيضا أننا، في فكرنا العربي، كنا كلما ابتعدنا عن الاستعمار، تزداد لدينا عقدة الانطواء والدفاع عن النفس، مما ولّد لدينا عصاباً جماعياً، لعل سببه الأحدث بالأساس، هو رضة حزيران (يوليو)... وأقول رضة لأن الرضة أقسى من الصدمة. صدمة الحملة الفرنسية أوائل القرن التاسع عشر أيقظتنا من السبات وكشفت لنا الحاجة إلى التقدم والنهضة. أما رضة حزيران 1967 فكانت مخدرة، ذهبت بعقولنا، مما دفعنا إلى البحث عن حل وسط جملة استيهامات لا وجود لها في الواقع. بل أقول إن هذه الرضة لم توصل المثقف العربي (لئلا أقول الإنسان العربي) فقط إلى عصاب جماعي، بل إلى ذهان جماعي. من هنا نلاحظ كيف أن كثراً من أبناء جيل القوميين بل الماركسيين حتى انتهوا متطرفين غيبيين... رضة حزيران كانت أقوى منهم." (حوار جريدة الحياة)

ويعد موقف طرابيشي، رغم تفاؤله على وجه العموم وثقته في قدرة الثقافة العربية/الإسلامية، في نهاية الأمر متشائما،

"نحن العرب يجب أن نكون أقل الشعوب خوفا من قدرتنا على الاستيعاب لأن لنا تجربة تاريخية كبيرة في الاستيعاب، وتجاوز المستوعب نحو تطوير ثقافة أغنى وأعمق، أنا لست أخاف لا من المستقبل ولا من الاختفاء ورغم كل عوامل التشاؤم في الواقع العربي اليوم، فإنني أحافظ على قدر من التفاؤل، لأنني أعتقد بتوافر عوامل تدعو للتفاؤل رغم أن هناك مع الأسف عوامل تدعو للتشاؤم. وتبدو كفة الميزان وكأنها ترجح عوامل التشاؤم، ويلاحظ في هذه المفارقة البسيطة، أننا عشنا مع بداية هذا القرن مع الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين والكواكبي، ونحن نموت توقا إلى الدخول في العصر وفي الحضارة، وأخشى أن نختم القرن وقد هيمنت الدعوات إلى الخروج من العصر وأعتقد أن هذه مفارقة كبيرة للثقافة العربية اليوم." (حوار مجلة العربي الكويتية)

ويتوقع طرابيشي استمرار المعركة مع الاتجاهات "الإسلامية" لمدة قرن قادم قبل أن تتحقق في النهاية عملية تحرير العقل المطلوبة،

"المواجهة مع أعداء الحداثة ودعاة القدامة معركة طويلة وشاقة، وأعتقد أنها لن تستغرق أقل من 50 أو 100 سنة مقبلة. ومواجهة هؤلاء القداميين لا يمكن أن تتم إلا من خلال كل منجزات الحداثة وفتوحاتها على صعيد العلم والفكر، كذلك من خلال الرجوع إلى نفس المواقع التراثية التي يدّعون أنهم يتحصنون بها.
وإني إذ أقول هنا: إنهم يدّعون، فأنا أعني تماما ما أقول. ذلك أن هذه الأصولية، التي نواجهها اليوم، هي في نظري بدعة مستحدثة تماما، وحسبي على ذلك دليل واحد، فلو عدنا إلى التراث لما وجدنا أحداً من الذين عاشوا في تلك العصور، يقول عن نفسه إنه إسلامي. كان هناك مسلمون ونصارى ويهود ومجوس، ولكن لم يكن هناك إسلاميون." (حوار الشرق الأوسط 23 يناير 2008)

مستقبل الفلسفة العربية

وفيما يخص الفلسفة العربية، فهو يرى أنه لا توجد "فلسفة عربية"، وأن الظروف تجعل من الصعب ظهور مثل هذه الفلسفة،

"لنبدأ بتقرير حقيقة واقعة، وهي أنه لا وجود لفلسفة عربية حديثة أو معاصرة. وإن وجدت فلسفة كهذه فهي فلسفة مترجمة، أو مولدة بوساطة الترجمة. يصدق ذلك على توماية يوسف كرم، ووجودية عبد الرحمن بدوي، وجوانية عثمان أمين، وشخصانية عزيز الحبابي، وماركسية سمير أمين، وفيورباخية حسن حنفي وهوسرليته في آن معا.
ولكن إذ نقرر هذه الحقيقة الواقعة، فلا بد أن نقرن هذا التقرير بتفسير، وبالتالي أن نتساءل: لماذا لا توجد، ولماذا يكاد يستحيل أن توجد فلسفة عربية حديثة أو معاصرة؟ للإجابة عن هذا التساؤل نستطيع أن نرصد، على ما يتراءى لنا، ثلاث سلاسل متراكبة، من السبببيات.
أولا، أن الفلسفة المعاصرة نفسها، على الصعيد العالمي، في أزمة. ومرد هذه الأزمة إلى تطور العلم بالذات. فالفلسفة رأت النور وازدهرت قبل أن يرى التصور العلمي للعالم النور، وكبديل عن هذا التصور. والفلسفة قابلة للتعريف، من هذا المنظور، بأنها ما قبل تاريخ العلم. ولكن منذ أن طرح العلم نفسه أداة وحيدة للمعرفة وللسيطرة على الكون راح مجال الفلسفة يتقلص، وراح العلم يجردها من حقول تخصصها الواحد تلو الآخر...
ثانيا، تماما كما كان الأصوليون القدامى يقولون إنه لا يجوز لمجتهد أن يجتهد إلا وفقا لمثال سابق، كذلك فإن المتفلسف العربي ولا نقول الفيلسوف يجد نفسه اليوم في وضعية من لا يستطيع أن يتفلسف إلا وفق مثال سبق. ولكن مع هذا الفارق: فما كان الأصوليون يضعونه في الماضي، يلقاه المتفلسف العربي مسقطا أمامه في المستقبل. فسبق الغرب إلى اجتراح مأثرة الحداثة قد جعل كل ما يمكن أن يفكر به الملتحقون بركب الحداثة مفكرا به مسبقا. فالحضارة الغربية قد باتت، بحكم أسبقيتها إلى الحداثة، تتحكم بالزمان الثقافي للحضارات الأخرى...
ثالثا، إن الفلسفة نبتة، لا تنتش ولا تزهر إلا في تربة العقل واستقلالية العقل. وبدون أن ندخل في تفاصيل لا يتسع لها هنا مجال، فإننا سنلاحظ أن العقلانية كشرط شارط لتمخض الفلسفة ما زالت بعيدة عن أن تكون صاحبة الكلمة الأولى في الثقافة العربية المعاصرة. ونحن لا نعني بالعقلانية شيئا آخر سوى هذا المبدأ البسيط والثوري معا: إنه لا يجوز أن تعلو فوق سلطة العقل أية سلطة أخرى. والحال أن سلطان الثقافة العربية ما زال يعتم بعمامة الدين." (هرطقات ص 59-61)

أهم أعماله


باللغة الإنجليزية:

حوارات

مقالات عنه

نصوص

تحرير: سمير أبو زيد