Arabic symbol

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة
فلاسفة العرب
 
بحث مخصص

الإنسانية المختلفة/ محمد وقيدي

موقع الصحراء

2 فبراير 2006

لتكن نقطة انطلاقنا هي القول إن الاختلاف حقيقة إنسانية لامجال للتفكير في الإنسان كما هو بدونها. فالإنسانية إما أن تعيش اختلافها وتعيش باختلافها، وذاك هو طريق التعايش بين الأمم والشعوب والحضارات المختلفة، وإما أن تجعل اختلافها سبيلا للصراعات المدمرة التي سيكون كلامنا متجها إلى البحث عن الكيفية التي يمكن للإنسانية أن تعيش بها اختلافها، وعن الشروط التي تسمح لها أن تجعل منه أساسا لضمان استمرارها وتعايشها رغم اختلافها. لاننسى، أن نعتبر الوجه الآخر لحقيقتها وهو وحدتها.

فوحدة الإنسانية هي الأساس في الاختلاف الذي نتحدث عنه، إذلايتعلق الأمر لدينا باختلاف بين نوع وآخر، بل باختلاف داخل نفس النوع نراه غير مانع للعمل بمقتضى وحدة الإنسانية. وتظهر وحدة الإنسانية في مظاهر مختلفة المستويات من تكوينها وسلوكاتها تمثل الإنسانية نوعا واحدا من خلال تصنيف الكائنات الحية.

والمظهر الأول لهذا النوع هو التكوين البيولوجي الذي يحدد البيولوجيون عناصره، والذي يرون من خلاله أن الإنسان هو أكثر أنواع الكائنات الحية تعقدا من حيث تركيبه الجسمي وأرقاه لأن تركيبه يسمح له بحياة عقلية ونفسية ومجتمعية لانجد مثيلا لها لدى الكائنات الحية الأخرى. إن وحدة الإنسانية هي الأساس الذي يجعل العلوم المتعلقة بالإنسان ممكنة، سواء كانت تتعلق بحياته الجسمية أو النفسية والعقلية بكل فعالياتها أو المجتمعية والتاريخية بكل أشكالها ومستوياتها. فالعلوم المتعلقة بالإنسان واحدة لأن هناك وحدة للنوع الذي يحمل اسم الإنسان والذي رغم بعض الاختلافات والخصوصيات التي ترجع إلى بعض الشروط يمثل كيانا واحدا من حيث نوعه بين الكائنات.  وحدة الإنسان أساس قوي لإمكان العلوم المتعلقة به ولموضوعيتها الوحدة البيولوجية للإنسان هي المظهر الأول لوحدة الإنسانية، ولأنها كذلك المظهر الذي تنبني على أساسها كل المظاهر الأخرى لتلك الوحدة. التكوين البيولوجي هو الذي يجعلنا أمام نفس الكائن ويسمح بالحديث عنه كذلك إنه الأساس الذي يتيح لمن ينظر في الظواهر الإنسانية أن يعمم كلمه على أكثر من ظاهرة تهم كيانا فرديا، ليقول بقوانين تهم كل الذوات الإنسانية.

ونعطي مثالا على ماقلناه الاكتشافات الطبية سواء كانت متعلقة بالتشخيص أو بوسائل العلاج ومواده، فهي تهم نفس الكائن ذي التكوين البيولوجي الواحد وحدة الإنسانية ضمانة للتقدم الطبي بالسير في الطريق الأكيد . يترتب عن الوحدة السابقة للإنسانية، بوصفها نوعا من الكائنات الحية له نفس الخصائص العامة، أن الحاجات الجسمية والنفسية للإنسان تكون واحدة، وقد بينا أن العلوم البيولوجية والنفسية تكون موضوعية لأن تلك الحاجات موجودة لدى النوع بأكمله ونأخذ مثالا على ذلك الحاجة إلى التغذية، إذ هي لاتهم بعضا من البشر دون بعضهم الآخر، كما أنها ينبغي أن تكون بالشكل الكافي والمتوازن بالنسبة لكل أفراد النوع البشري.

ومن الحفاظ على وحدة الإنسانية العمل عبر سياسات مشتركة بين الدول، أي عبر المنظمات الدولية المختصة، على توفير التغذية الملائمة لكل أفراد النوع الإنساني، ولاينبغي أن تكون الاختلافات بين البشر مبررا لترك جزء من البشرية يعاني من مظاهر المجاعة الناجمة عن حرمان الإنسان من الحد الأدنى من التغذية والتي تكون في الوقت ذاته سببا في انتشار عدد من الأمراض والأوبئة المهددة للحياة الإنسانية.

تتجاوز الوحدة الإنسانية المستوى البيولوجي والحاجات الإنسانية المرتبطة به لتكون أيضا وحدة على الصعيد النفسي والمجتمعي. فحاجات الإنسان النفسية وحياته المجتمعية بدورها فيها كثير من المشترك الذي نتعرف من خلاله على نوع الحياة الإنسانية. والفروق الموجودة بين المجتمعات المختلفة ليست أبدا أساسا موضوعيا للتعامل مع بعضها بشكل يجعلها خارج نطاق الإنسانية الواحدة. فالإنسان حيث كان له نفس الحاجات والطموحات في العيش في سلام تتوفر له كل الحاجات الضرورية من أجل الحفاظ على حياته واستمرارها.

تعني وحدة الإنسانية بالنسبة للتوجه الذي أخذناه في التحليل أن الإنسان معادل للإنسان، وأن الفروق التي أتت لدى الإنسانية مرتبطة ببعض الشروط الطبيعية أو المجتمعية أو التاريخية والحضارية تأتي في سياق وحدة الإنسانية ويجب، إذن، ألا تكون أساسا لتصنيف نهائي وثابت للبشر أفرادا وجماعات وشعوبا.

بدأنا بالحديث عن الوحدة مع أن موضوع تفكيرنا الأساسي هو الاختلاف، وكان ذلك من جانبنا اعتبارا لأولوية الوحدة على الاختلاف، ولإضفاء النسبية على الفروق واعتبارها في حدود ما تمثله في حقيقة الإنسان. وإذ نصل إلى الحديث عن الاختلاف، فإننا نبدأ الحديث عنه بالقول إنه موجود في الإنسان بكل تاريخه الطويل، وإن الأسباب التي أدت إليه متنوعة كما سبق الذكر يختلف الإنسان عن الإنسان بلون بشرته.

وعندما نلاحظ سكان العالم اليوم، ونتابع في نفس الوقت حالهم منذ التاريخ المعروف للإنسانية عن نفسها، فإننا نجد أن أنحاء العالم المختلفة تضم بشرا مختلفة ألوانه من جهة أوقارة إلى أخرى : يغلب القارة الإفريقية سواد بشرة أهلها، ويقطن القارة الأوروبية في غالبها إنسان ذو بشرة بيضاء، وكذلك الشأن بالنسبة لشمال القارة الأميركية ويقطن ذو البشرة الصفراء القارة الآسيوية، كما يوجد في أميركا ذوو بشرة حمراء لكن هذا الاختلاف لايمنع عن القول بانتماء هؤلاء جميعا إلى نفس النوع الإنساني، وهو ما يعيدنا إلى ماقلناه عن الإنسانية الواحدة التي هي أساس الاختلاف ومرجعيته في قيمته الموضوعية.

لم يغب هذا الاختلاف عن العلماء الذين حاولوا تفسيره ونختار من هؤلاء واحدا من تراثنا الفكري هو ابن خلدون الذي يؤكد في بعض فصول المقدمة أن لون بشرة الناس يختلف من إقليم إلى آخر وأنه يرتبط بذلك أيضا اختلاف في نفسيتهم وسلوكهم الفردي والمجتمعي وهذا معناه إرجاع الاختلاف الذي أشرنا إليه بين الناس إلى عامل طبيعي، وهوما يعني أنه اختلاف لا ينفي وحدة الإنسانية المختلفة ألوانها. غير أن هناك فرقا بين النظر بهذه الكيفية إلى ما يختلف به إنسان إقليم عن إنسان إقليم آخر وبين ما تقول به النزعات العنصرية التي تأخذ ذلك الاختلاف مأخذ المطلق وتجعل من الاختلاف في اللون فرقا حاسما في القيمة بين البشر . وقد ظهرت هذه النزعات التي لها دائما رغم انحسارها النسبي رواسب في الوقت الحاضر منطلقة بصفة خاصة من ذوي البشرة البيضاء إزاء ذوي البشرة السوداء

ولذلك نرى أن استمرار الإيديولوجيات العنصرية بشكل واضح أو خفي في التأثير في البشر من شأنه أن يكون مصدر صراعات مستمرة في أي شروط يوجد بها وسيكون دائما مظهرا يبرز عجز الإنسانية عن مطابقة ذاتها كإنسانية واحدة تعرف الاختلاف بين أفراد نوعها. والطريق إلى تجاوز هذه الحالة هو مكافحة النزعات العنصرية مهما كانت الصيغ التي اتخذتها الإيديولوجيات العنصرية المتعددة التعبيرات في عالم اليوم هي عائق الإنسانية الواحدة المختلفة أن تطابق ذاتها بالعيش واحدة وهي تقبل الاختلافات الموجودة داخل وحدتها.

إن ماتقود نحوه هذه النزعات العنصرية هو انفصام الإنسانية عندما نجعل التنافي هو القانون الذي يحكم علاقة اختلافها بوحدتها. ليس الاختلاف في لون البشرة إلا المظهر الأول للاختلافات العميقة التي تظهر في تكوين الإنسان النفسي والمجتمعي.

وبقدر ماكان الاختلاف في الشكل الأول الظاهر للإنسان مصدرا لصراعات عبرت عنها النزعات العنصرية والمواقف المضادة لها التي تسقط بدورها في العنصرية وتندمج في أثرها السلبي على وعي الإنسانية بوحدتها، فإن الاختلافات الأخرى التي وصفناها بالعميقة أدت في تاريخ الإنسانية الطويل نحو صراعات مدمرة، بل وما تزال مصدرا لأخطار كثيرة ومتنوعة تهدد حياة النوع الإنسان باستمرار.

كان للإنسانية في جهات العالم تاريخ طويل تشكلت فيه بفضل عوامل اختلفت من جهة إلى أخرى. وكان للتاريخ المختلف بصماته على تشكل إنسانية متنوعة. فقد نشأت في جهات العالم حضارات مختلفة نال شرق الكرة الأرضية وشمالها وجنوبها حظهم منها. وكانت هذه الحضارات ذات أثر في تكوين الإنسان حيث وجدت بمعطياتها الخاصة وهكذا، فإن الإنسان ككائن زمني له تاريخ تشكل بطريقة مختلفة عبر هذا التاريخ ظهرت ديانات مختلفة اختلف الناس حولها كما اختلفوا بها. فبين الذي يؤمن بهذا الدين وبذلك الدين الآخر تشكلت فروق في الاعتقاد والممارسة أدت إلى الشعور بالتباين بين الإنسان والإنسان. وأكثر من هذا، فقد ظهرت اختلافات بين الناس داخل الدين الواحد الذي يتعايش المؤمنون به في الوطن الواحد، وهي التي أدت في كثير من الأحيان إلى صراعات قد لاتقل عن غيرها تدميرا للذات الإنسانية في كل أطرافها.

نشأت عند الشعوب عبر الزمن عادات وتقاليد وأعراف مجتمعية أصبحت تشكل بقدر رسوخها في حياة الناس جزءا من هويتهم التي يتشبثون بها إلى حدود بعيدة والتي يدركون من خلالها تميزهم عن الغير ويبنون على أساسها علاقتهم به. لكن، لاشك أن هذا الاختلاف يقود أيضا إلى الشعور بالغرابة عن الغير، وقد تكون مصدرا للشعور بالنفور إزاء الغير المختلف وظهور مشاعر العنصرية والتمييز بسببها هناك أيضا الاختلافات الثقافية التي تركزت حولها الدراسات الأنثربولوجية، وهي بدورها اختلافات عميقة تكون مصدرا للتباعد والرغبة في التمايز .

الإنسانية أمام هذه الأشكال المتباينة من الاختلاف في مواجهة موقف ذي طرفين : النظر إلى الاختلاف في ضوء الحفاظ على الوحدة الإنسانية ليكون بذلك مظهر ثراء في الوجود الإنساني، ويقتضي هذا الأمر سياسات الاعتراف بالاختلاف داخل تلك الوحدة والعمل من أجل التسامح واستتباب السلام بين كل الشعوب والحضارات المختلفة، وإما العمل باسم إضفاء صيغة المطلق على كل اختلاف يفصل جزءا من الإنسانية عن بعضها الآخر، وطريق ذلك هو الصراعات التي لن تجد لها نهاية. الطريق الأول وحده يعبر عن نضج الإنسانية.

 

 

عودة إلى معاصرون