Arabic symbol

 

 

 

 

 

 

 

أهلا بكم من نحن فلاسفة أبحاث فلسفية الخطاب الفلسفي أخبار الفلسفة خدمات الفلسفة
فلاسفة العرب
 
بحث مخصص

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدكتور ناصيف نصار

الدكتور ناصيف نصار (م 1940) مفكر وأستاذ جامعي لبناني معروف بمحاولته للتنظير لتحقيق الاستقلال الفلسفي للفكر العربي المعاصر بالمعنى القومي، وبمحاولته للتنظير للعلاقة بين الفلسفة والأيديولوجيا ولمفاهيم السلطة والحرية والأمة والحضور التاريخي.

حياته

ولد الدكتور نصّار في بلدة نابيه، في المتن الشمالي، في 1940. بعدما نال شهادة دكتوراه الدولة في الفلسفة من السوربون في  1967 عن أطروحته "الفكر الواقعي عند ابن خلدون"، علّم في الجامعة اللبنانيّة من 1967 حتى 2005. عيّن عميداً لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة وعميداً لمعهد العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانية. شارك في تأسيس وإدارة الجمعيّة الفلسفية العربيّة (مقرّها عمّان) عام 1987، وشغل منصب نائب الرئيس. نال جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافيّة للدراسات الإنسانيّة في 1999. ونال «جائزة الدكتور منيف الرزاز للدراسات والفكر» التي تمنحها «رابطة الكتاب الأردنيين» العام 1995.

مشروعه الفلسفي

في حوار مع جريدة الأخبار اللبنانية (عام 2011) يقول نصار،

لدي ثلاثة مؤلفات تعبّر عن فلسفتي. «طريق الاستقلال الفلسفي» هو كتاب وضعته بعد تجاربي الأولى في البحث والتأليف في سبعينيات القرن الماضي، وهو كتاب في المنهج، أحدّد فيه المفاهيم والطرق التي ينبغي للفيلسوف العربي أن يعتمدها وأن يسلكها لكي يخرج من تاريخ الفلسفة ويصبح فيلسوفاً بحسب مقتضيات الخصوصيّة الثقافيّة العربية، علماً أنّ الفلسفة هي كونّية الطابع، ولكنّها تعمل في إطار خصوصيات ثقافية، فهي تتقدّم على مستوى الجدليّة القائمة بين الكونيّة والخصوصيّة: خصوصيّة الوضع، وكونيّة الموضوع. كثير من الناس الذين يعرفونني يقرنون اسمي بذلك الكتاب، لأنّه بالواقع، ومن دون أيّ تبجّح، علامة فارقة في الفلسفة والثقافة العربية المعاصرة، وقد خصّته الموسوعة الفرنسية الفلسفية الكونية الصادرة عن PUF بعمودين في بداية التسعينيات. بعد ذلك، اشتغلت على بناء المنهج، فوضعت أعمالاً فلسفية متنوعة ومتكاملة صدرت تباعاً بعد ذلك التاريخ، أهمّها «منطق السلطة» الذي أطرح فيه نظرية متكاملة لموضوع السلطة الذي هو موضوع رئيسي في مؤلّفاتي. وأعتقد أنّه، كما قال أحد الباحثين من ذوي الاطلاع الواسع، بحث غير مسبوق. ثم كتبت كتاباً كاملاً عن الحريّة التي هي بنظري مفهوم فلسفي متلازم مع مفهوم السلطة. كتابي «باب الحريّة» لا يدخل في تفاصيل الحريّات الميدانيّة، بل هو قائم على الدفاع عن مبدأ الحريّة وأوّليّة الحريّة في الوجود الإنساني. وبعد ذلك، ساقتني أبحاثي إلى التعمّق في موضوع الوجود التاريخي الذي خصصت له كتاباً كاملاً تحت عنوان «الذات والحضور».

1-   الجذور الفكرية

نقطة البدء في فكر ناصيف نصار هي نقطة اجتماعية، وتتمثل في الرد على السؤال ما الذي ينشئ مجتمع عربي موحد. وكان ذلك ناتجا طبيعيا للتأثير القوي للطائفية في مجتمعه الخاص، وهو لبنان. يبين السيد نفادي ذلك كما يلي،

أهم ما يميز إسهامات "نصار" أنها جاءت نتيجة لهمومه بمشكلات الوطن، ولا سيما المشكلة الطائفية في لبنان، والدور الذي لعبته الأيديولوجيات المتصارعة المتطاحنة في تعميق هذه المشكلة والوصول بها إلى طريق مسدود، طريق الحرب الآهلية... يقول "نصار" في هذا الخصوص: "أولى المشكلات التي حملتني الظروف على مواجهتها كانت مشكلة الطائفية، وقد تبين لي... أنها من العمق والشمول...بحيث يلزم الدخول منها إلى دراسة المرحلة التاريخية الحضارية التي تنتظر أن تنتج لها فلسفة تاريخية أصيلة".

(ناصيف نصار والأيديولوجيا: علمية أم سلفية ، السيد نفادي، ص306).

ولأن في عصرنا الحالي المجتمع يتوحد في إطار ما نسميه بالدولة "القومية" فتصبح مشكلة الدولة هي المعبر عن نقطة البدء هذه. ولأن المجتمعات العربية، كما يرى نصار، لم تتحول بعد إلى حالة الحداثة، ويلعب الدين دورا مركزيا فيها، كان فكر ابن خلدون هو أفضل نقطة ارتكاز. يظهر ذلك واضحا في تمهيد  نصار للطبعة العربية لأطروحته "الفكر الواقعي عند ابن خلدون" حيث يقول،

في عالم يجتاز الوعي التاريخي فيه مرحلة في غاية العسر والتعقيد وتتطلب فيه ضرورات تحديد الهوية والتجدد أبحاثا طويلة وشاقة، أعني في العالم العربي المعاصر، لا يمكن أن يكون فكر ابن خلدون مجرد قيمة تاريخية، ولومجيدة وغزيرة الفائدة. إنه في عالم كهذا الموضوع الأشد ملاءمة لتسريع عملية التعرف على الذات والموقع الذي يمكن الانطلاق منه لتكوين وعي تاريخي جديد.

هذا يعني أن قيمة "المقدمة" لا تتجاوز نطاق مضمونها الضيق وحسب، بل أنها، وعلى الأخص، تهم مباشرة المفكر في العالم العربي اليوم. وفي الواقع، يشعر هذا العالم الناهض الى الوعي بنفسه تمام الوعي بحاجة ماسة إلى العودة إلى الأصول، إلى الينابيع المحيية. ... والموقف الذي يجدر بالمفكر الأصيل أن يقفه هو موقف مواجهة المشكلة كما تنطرح عليه في وضعيته المحددة تاريخيا. والسعي المخلص في سبيل تقديم الوسائل المناسبة لقيام الوعي التاريخي وولادته الجديدة...

وبشكل أكثر تحديدا يضيف نصار،

المدار العام لتأليف ابن خلدون هو مدار التاريخ كواقع وكمعرفة. والعنصر الرئيسي في هذا المدار هو الدولة كظاهرة اجتماعية بامتياز. وبالفعل، التاريخ والدولة هما المشكلتان الأساسيتان اللتان تواجهان اليوم العالم العربي. والمراقب النبيه للحركات الاجتماعية السياسية التي تتصارع فيه يدرك بدون عناء كبير أن عدم وجود نظرية عامة في الدولة والمواطن، مبلورة ومقبولة بوضوح ، هي في أساس العديد من التصرفات المتصفة بالاندفاع وسرعة العطب في الوقت نفسه، الصادرة عن العاطفة أكثر مما هي صادرة عن العقل. وتأليف ابن خلدون يشتمل على نظرية في الدولة وتصور للتاريخ. فهو، من هذه الجهة، التأليف الذي ينبغي للمفكر الملتزم أن يسائله قبل غيره....

أما مسوغات الاعتماد على فكر بان خلدون فتتمثل في،

أن أسبابا وجيهة تحمل على الاعتقاد أن التطور الاجتماعي-الاقتصادي والاجتماعي-السياسي والاجتماعي-الثقافي للعالم العربي تعوقه بنى مادية وذهنية لم تتغير تغيرا عميقا منذ العصور الوسطى. ولذلك فإن فكر ابن خلدون يهم مباشرة المفكر العربي في هذا العصر بقدر ما هو فكر مطابق لواقع اجتماعي تاريخي لا يزال حاضر. ومن هذه الزاوية، فهو يقدم له معلومات عن الواقع الذي يعيش فيه، ويؤصل في الوقت نفسه تفكيره في التاريخ ويدله على ما يتعين عليه القيام به. إنه من حيث هو فكر سوسيولوجي يوفر للباحث الاجتماعي سبيلا لمقاربة المجتمعات العربية لا يقل نفعا عن العديد من السبل أو الطرائق الموضوعة لدراسة مجتمعات أخرى، إن لم يفقها. ومن حيث هو فكر سوسيولوجي عن عالم يسيطر عليه كليا الأمر الديني، فهو يشكل مرحلة متحررة جزئيا من قبضة ذلك الأمر، وبالتالي يفتح الباب أمام فكر أشد وعيا بقدراته وبوظائفه....

ومن جهة أخرى، وبقدر ما يتخلص العالم العربي المعاصر من البني العتيقة، فإن "المقدمة" تدعو المفكر إلى إكمال معلوماته بقراءة كتاب "الرأسمال"، كما تنبهه إلى أوهام الاقتباس السطحي وإلى مخاطر الاغتراب الفكري. إذا كان عالم ابن خلدون موجودا إلى جانب عالم ماركس، فهذا يعني أن أيا منهما لا يملك الجواب عن المسائل المطروحة على الأجيال الحاضرة في البلدان العربية، وأن الجواب المناسب عن هذه المسائل يمكن أن يتوفر فقط بواسطة بحث أصيل، يستوعب روح ومضمون "الجمهورية"، و"المقدمة" و"الرأسمال"، ومصادر أخرى غيرها، ويتناول الجوانب الأساسية في الوجود الإنساني، الشخصي والجماعي والتاريخي. (تمهيد – الفكر الواقعي عند ابن خلدون)

2-   الدوافع نحو المشروع

نقطة الانطلاق في فكر نصار، وهي فكر ابن خلدون، لها متطلبين اثنين، الأول ذاتي والثاني موضوعي. المتطلب الذاتي هو أن يكون فكرنا المعاصر متسق مع فكر ابن خلدون (الذي يتعامل مع مجتمعات لها بنية ذهنية مماثلة). وهو ما يجعل الارتكاز على أي فكر آخر مختلف غير ممكن (يؤدي إلى عدم الاتساق). والمتطلب الموضوعي هو أن تكون القضايا محل المعالجة قضايا واقعنا المعاصر (الحالة الحضارية الراهنة بتعبير نصار)، وفي حالة تجاوز ذلك ينشأ الاغتراب الفكري. والاثنان معا يجعلان الاعتماد على أي فكر آخر لا يحقق هذين المطلبين أمرا غير منتج. لذلك اصبح عدم الاعتماد على أي فكر آخر غير منطلق من الذات ولا يعالج الواقع الموضوعي الخاص بالذات شرطا لنجاح المشروع الفكري لنصار، وهذا هو ما أسماه نصار "الاستقلال الفلسفي"، أي الاستقلال الفلسفي العربي.

في استعراضه لفكر نصار يبين محمد نور الدين أفاية الدور المركزي لهذه الفكرة عند نصار كما يلي،

ناصيف نصار، ومنذ كتابه "طريق الاستقلال الفلسفي" يبدو حريصا على ما يسميه "فعل التفلسف" أو "الوعي بدور الفعل الفلسفي"، وبالبحث عن "فكر فلسفي يكون عربيا معاصرا"، والعمل خلال "رحلاته الاستكشافية" والكتابة، على نحت أسلوب وصوغ نمط سؤال ورسم طريق يؤدي إلى فكر فلسفي عربي جديد، كل ذلك قصد خلق "فلسفة نابضة بالحياة انطلاقا من موقف استقلالي نقدي"، و"ليس الموقف التوفيقي الحامل لشعار التجديد". (الذاتية والوعي الفلسفي بالوجود - محمد نور الدين أفاية، ص 94)

وتؤكد إلهام منصور هذا الهدف المركزي كما يلي،

لكن كتاب ناصيف نصار حول الاستقلال الفلسفي هو فعلاً العمل الذي يسعى فيه، لتأسيس فلسفته، فهو يشكل أحد أهم المحاور في أعماله.  يسعى نصار، في الكتاب إلى حل مشكلة علاقة الفيلسوف- في العالم العربي المعاصر-  مع تاريخ الفلسفة وهذا ما دفعه إلى القول: "إن المشاركة الحقيقية في الفلسفة تقتضي الاستقلال والإبداع." لكن كيف نصل إلى الاستقلال؟ للخروج من التبعية، علينا، بداية، أن نقوم بنقد الفكر العربي الذي يتبع هذا أو ذاك من المذاهب الفلسفية القائمة ٢٥ من أجل الوصول إلى الاستنتاج التالي: "إنّ التفهّم العميق لمشكلة الحضارة في العالم العربي المعاصر يكشف عن حاجة الإنسان العربي إلى فلسفة جديدة في العمل" ٣٠ والاستقلال يعني الانفتاح، التفاعل المستمر والتعاون، لكن انطلاقاً من الذات. والاستقلال يعني أيضاً تقبّل كل النظريات الفلسفية، لكن بعد إخضاعها لنقد منطقي وسوسيولوجي لكي نأخذ منها ما هو صالح وتحويله، بواسطة عملية إبداعية اصيلة، تتحقق بفضل وعينا لدور الفعل الفلسفي في واقع (ثقافي اجتماعي متعين في المكان والزمان (ص (31). (أين نموضع قول ناصيف نصار –إلهام منصور، ص 163).

كذلك يؤكد السيد نفادي مركزية هذه الفكرة عند نصار ويربطها بتصورات نصار عن تجاوز التوفيقية لتحقيق نهضة المجتمعات العربية المعاصرة،

ويرى نصار أن طريق الخروج من موقف الاتباع التقليدي تمر بنقد التصور الحضاري الذي يكمن في التزام الفلاسفة في العالم العربي المعاصر بهذا أو ذاك من المذاهب، حيث أن النهضة في رأيه ليست مجرد بعث لحضارة القرون الوسطى، أو مجرد امتداد للحضارة الغربية المتفوقة، وإنما هي دخول العالم العربي في مرحلة تاريخية حضارية جديدة تتميز جوهريا بالتفاعل الجدلي المعقد الذي يجري بين عالم الحضارة العربية الإسلامية، وعالم الحضارة الغربية العقلانية، والذي يكسبها طابعا نوعيا خاصا في التاريخ العام للإنسانية.

إذ أن الموقف الاستقلالي فيما يرى نصار هو الشرط الضروري للمشاركة الإبداعية في الفلسفة وللمساهمة الثورية في تغيير حياة الإنسان العربي من الداخل. ويقول في هذا الخصوص "والاستقلال الذي نقصد ليس بالطبع انطواء على الذات وانقطاعا عن الغير واكتفاءا بالنفس. استقلال من هذا النوع في هذا العصر يعني الانتحار. وإنما المقصود هو الاستقلال السليم الذي يقوم على الانفتاح والتفاعل الدائم والمشاركة الإيجابية، لكن انطلاقا من الذات. (ناصيف نصار والأيديولوجيا -  السيد نفادي، ص 307 – 308)

3- تأسيس مفهوم الاستقلال الفلسفي

الخطوة الأولى لتحقيق الهدف المنشود هو تأسيس الاستقلال الفلسفي كمفهوم "فلسفي" مجرد مرتبط بالمرحلة الحضارية العربية المعاصرة. يلخص أدونيس العكرة العناصر الأساسية التي طرحها نصار لهذا المفهوم في السطور التالية،

الاستقلال الفلسفي

أ‌-       تعريفه: إن الاستقلال الفلسفي، على عكس ما توحي به هذه العبارة لدى الانطباع الأول، لا يعني الانعزال والانفراد من خلال رفض تاريخ الفلسفة وبناء جزيرة فكرية غير مرتبطة بالسياق الحضاري العام، بل إنه يعني رفض الاتباع والتقليد والنسخ والخضوع والاتكال. وهذا يعني أن الاستقلال، كما يراه ناصيف نصار، هو موقف وحركة: إنه موقف تجاه الآخر وحركة بين الذات والآخر. فتنشأ علاقة بين الطرفين تشكل مقوما كيانيا من مقومات الاستقلال الأساسية. بمعنى أن هذه العلاقة إذا سقطت أو بطلت سقطت الذات في الانعزال والموات. "إن الاستقلال الحقيقي – كما يقول – يستلزم التفاعل، والتفاعل يعني احتفاظ الأطراف المعنية بكيانها الخاص، لكن على أساس مبدأ التغير الذي يعني تحول الشيء إلى غير ما هو بسبب علاقته مع ما هو غير... [و] الاستقلال يقتضي المشاركة والإبداع، والمشاركة تقتضي الاستقلال والإبداع.

ب‌-  شروطه: لكي يتحقق الاستقلال الفلسفي ينبغي أن يستوفي بعض الشروط العامة واللازمة في وضعية تاريخية حضارية خاصة. وأول هذه الشروط هو رفض الانتماء إلى أي مذهب فلسفي مهما كانت منزلته في تاريخ الفكر البشري. والسبب بديهي، وهو أن كل مذهب فلسفي قدم إسهاما في الإجابة عن سؤال فلسفي كبير، إنما هو نتاج وضعية حضارية تاريخية معينة، ويرتبط بمرحلة معينة، ويجيب عن أسئلتها المحددة بظروف نشأتها. صحيح أن للفلسفة وجها إنسانيا شموليا وكونيا، ولكن لها أيضا وجها خصوصيا يرتبط بجذور الوضعية التاريخية الحضارية التي تكتنفها. وفي حال تجاهل هذه الوجه الخصوصي والجوهري في الفلسفة، يأتي الفكر الفلسفي نوعا من الانتماء المصطنع والطفيلي، وليس بإمكانه تقديم الأجوبة الحقيقية عن تساؤلات إنسانية ولحاجات مجتمعية: إنه "يمتص من شجرة تاريخ الفلسفة دون أن يكون غصنا من أغصانها".

الشرط الثاني هو تعيين المشكلة الرئيسية وتحديد طريقة معالجتها في علاقتها مع مشكلات رئيسية أخرى أو مع المشكلات الفرعية التي تقع تحتها. والواضح هنا أنه لا توجد مشكلة واحدة رئيسية في الوضعية التاريخية الحضارية العربية الجديدة، ولكن هناك، بلا ريب، مشكلات رئيسية تتقدم على غيرها من حيث الأهمية والإلحاح والضرورة التي تمليها المرحلة المعينة. وبالتالي، فإن دور الفيلسوف هو استرشاده إلى تعيين المشكلة الرئيسية التي ينطلق منها لبناء مذهبه. إن هذا الشرط من شأنه أن يبرر الشرط الأول ويعطيه مغزاه وأهميته. إذ لا مبرر لرفض الانتماء إلى أحد المذاهب الفلسفية الكبرى لولا وجود مشكلات فلسفية رئيسية تختص بوضعية حضارية جديدة، وتتطلب أجوبة تتناسب مع المرحلة التاريخية الجديدة وإنسانها ومجتمعها المختلفين. والأمر المهم في هذا الشرط هو أن تعيين المشكلة الفلسفية الرئيسية يربط البحث الفلسفي بالتاريخ الحي فيكون شهادة لها بحيث تتحدد طريقة التعامل مع تاريخ الفلسفة بشكل مطابق للحاجة المطروحة وللهدف المرجو، مما يساهم في حيوية تاريخ الفلسفة وديناميته.

وهنا يبرز الشرط الثالث لتحقيق الاستقلال الفلسفي الذي هو النقد. يقول ناصيف نصار في معرض شرحه لهذا الشرط: "واستحقاق اسم الفلسفة يعطي الفيلسوف حقوقا، لعل أبرزها حق النقد، هذا الحق الذي يدعي الكثيرون القدرة على ممارسته، لكن دون إدراك منهم لحقيقة مقتضياته. فالنقد الفلسفي، وعلى الأخص نقد النظريات الفلسفية، فن عزيز المذهب صعب المسالك. ولا شيء أصلا من أعمال الفكر، مبنيا على الجهل أو المعرفة السطحية، يكون ذا قيمة محترمة". فالنقد بهذا المعنى جزء من عملية الإبداع الفلسفي، خصوصا إذا مورس بأنواعه الثلاثة: النقد المنطقي، والنقد الفلسفي، والنقد التاريخي الحضاري.

أما الشرط الرابع فهو ضرورة استيعاب كل العناصر التي تأتي من خارج الفلسفة التي تتصل بالمشكلة الفلسفية الرئيسية. فعلاقة الفيلسوف تتعدى تاريخ الفلسفة لتشمل المصادر الأخرى من علوم وإيديولوجيات وتجارب تاريخية أخرى.

والشرط الخامس والأخير هو ضرورة الاستعداد الدائم للمراجعة والنقد الذاتي، لأن الحقيقة الفلسفية غير كاملة بطبيعتها، بل إنها دائما في طريق الاكتمال بفضل تضافر الدراسات والأبحاث، وذلك في مسيرة عقلية متكاملة الحلقات.

ج- أهدافه: إن الهدف الأساسي والمباشر من فكرة الاستقلال الفلسفي هو أن تكون الفكرة قاعدة ينطلق منها المفكرون و"محبو الحكمة" في المجتمعات العربية "لكي يتعمقوا ويتوسعوا، إلى أبعد الحدود الممكنة وفي كل الاتجاهات الممكنة، وعي الإنسان بوجوده وبالسر الأعظم الذي هو خلق الذات بالذات". ثم إن الاستقلال الفلسفي هو شرط أساسي لكل إنتاج فلسفي مبدع يسهم في بنيان النهضة الحضارية التي تسعى لتحقيقها المجتمعات العربية. (أدونيس العكرة، ناصيف نصار في معركة الاستقلال الفلسفي،   ص 531-534)

4- منهجه في تأسيس الاستقلال الفلسفي

إذا كان اتخاذ قضايا الواقع (اي الانطلاق من الحالة الحضارية الراهنة) شرطا أساسيا لتحقيق هدف الاستقلال الفلسفي يصبح تحديد طريقة أو أسلوب الربط بين هذا الواقع وبين الفكر الفلسفي المبتغي خطوة منهجية أساسية في هذا المشروع. ولأن الواقع الموضوعي يمكن النظر إليه بصور متعددة، الأمر الذي ينشئ تصورات أيديولوجية متعددة بخصوص هذا الواقع، كان تحقيق هذه الخطوة المنهجية مرتبطا مباشرة بتحديد مفهوم الأيديولوجيا وعلاقته بالفكر الفلسفي المجرد. اتخذت هذه القضية مكانا مركزيا في مشروع نصار. ويظهر ذلك، بحسب أنطوان سيف (الاستقلال الفلسفي عند ناصيف نصار) في اتخاذها موضوعا لمؤلفين هما "الفلسفة في معركة الايديولوجيا"، "الأيديولوجيا على المحك"، بالإضافة إلى استئثار الموضوع لقسم كبير من كتاب "طريق الاستقلال الفلسفي"

أ‌-      العلاقة مع الأيديولوجيا

يستعرض محمد نور الدين أفاية تصورات نصار عن العلاقة بين الفلسفة والأيديولوجيا كما يلي،

يرى ناصيف نصار أن كل نظام أيديولوجي يتضمن نواة فلسفية، هي بالنسبة إلىه كالجزع بالنسبة إلى الشجرة، وعليه ليست الفلسفة شكلا من أشكال الأيديولوجية وإنما هي المستوى النظري الأعمق فيها. وهذا لا يعني عنده أن "احتواء الأيديولوجية على مضمون فلسفي أنها شكل من أشكال الفلسفة، إذ إن الخصائص الرئيسية للروح الفلسفية كنظرية في العمل تنزع إلى أن تتحول إلى طريق في الحياة، أي أن تتجسد في ممارسة اجتماعية تاريخية معينة". ومن ثم فما دام الفكر الأيديولوجي العربي يحتوي على "مضمون فلسفي" فإنه يستلزم الاشتغال على ما يختزنه من كثافة فلسفية ولا سيما تلك النصوص التي اعتبرها ناصيف نصار تدخل ضمن دائرة "أعمق إنتاج أيديولوجي عربي حديث" المتمثل بكتابات نديم البيطار، هشام شرابي، أنطون سعادة، وزكي الأرسوزي".

وهو في ذلك يعلن بوضوح أن الارتباط العضوي للفكر الأيديولوجي بوجود ومصير جماعة معينة بكل ما يستلزم هذا الارتباط من تقدير مصالحها، وأشواقها، يتطلب – أي هذا الارتباط – سلوك سبيل يسميه "النهج الانحيازي". مهما كانت الفروق الحاصلة بين المفكر والأيديولوجي و"المفكر الفيلسوف" بحكم أن الأول يسعى لتأمين مصلحة الجماعة التي هو منشغل بحياتها، وأن الثاني يرنو إلى اكتناه حقيقة الوجود الإنساني، فإن البحث عن المصلحة لا يتنافى مع اعتبار الحقيقة وطلبها والبحث عن الحقيقة الوجودية لا يتنافى مع اعتبار المصلحة وطلبها. (الذاتية والوعي الفلسفي بالوجود – محمد نور الدين أفاية- ص 96-97).

ب‌-  الواقعية الجدلية

أما الموقف المعرفي الذي تتحدد من خلاله العلاقة بين الفلسفة والأيديولوجيا فهو "الواقعية الجدلية". يستعرض السيد نفادي التعدد المنهجي عند نصار (الواقعية الجدلية، منهج الأنساق المتكاملة، والعقلانية النقدية المنفتحة) ومركزية فكرة الواقعية الجدلية عنده والتي يعتمد عليها في إنشاء العلاقة بين الفلسفة والإيديولوجيا كما يلي،

أولا: الواقعية الجدلية

يستهل نصار كتابه "الفلسفة في معركة الايديولوجية" بقوله: "الحاجة قوية إلى تجاوز الاتجاهات المتضارية الوحيدة الجانب، وتكوين اتجاه نظري جديد يستوعب العلاقات بين الفلسفة والأيديولوجية بدون تشنج وبأكثر ما يمكن من الانفتاح على طبيعة الأشياء وطبيعة العلاقات المعقدة بينها. ويسمي هذا الاتجاه الجديد "الواقعية الجدلية". ففي الواقعية الجدلية لا مبرر فيما يرى نصار لرد الفلسفة إلى الأيديولوجية، ولا للفصل التام بينهما، كما أنه لا مبرر لرد الوعي الأيديولوجي إلى الوعي الزائف فقط، كما ذهب إلى ذلك ماركس. وإنما النظر إلى الأيديولوجية من وجهة نظر الواقعية الجدلية يفترض أن ماهية الأيديولوجية مغايرة لماهية الفلسفة، وأن قضية العلاقات بينهما هي قضية تفارق في التشارك، وليست قضية انفصال تام أو قضية شكل. فالأيديولوجية تشتمل بصورة أو بأخرى على مضمون فلسفي.. والفلسفة تلعب بصورة أو بأخرى دورا أيديولوجيا، وتتخذ موقفا من التصورات الفلسفية التي تقوم على الأيديولوجيات المتصارعة، وكذلك من الممارسات العينية لتلك الأيديولوجيات.

وعن تحديده لهذا الاتجاه الجديد يقول نصار إن الواقعية الجدلية تقوم على مبدأ استقلالية الواقع العيني وأسبقيته بالنسبة إلى العقل النظري. والواقع العيني واقع قائم، حاصل في الوجود الخارجي، موضوع أمام الفكر العقلي. وهذا هو الجانب الواقعي في اتجاه نصار، أما الجانب الجدلي عنده فهو عملية معرفة هذا الواقع القائم.

ويؤكد نصار على أن الواقعية الجدلية تحل التعارض التقليدي بين المذهب التجريبي والمذهب العقلاني، وتعتبر أن تملك الحقيقة الموضوعية، أي عملية تعقل وإخضاع العقل للواقع، مشروع يتجدد دوما. وتتكامل فيه النظريات حتى نهاية الزمان التاريخي إذا كانت له نهاية.

ویقر"نصار" أن نظریة الواقعیة الجدلیة لیست نظریة فلسفیة أولى : أي أنها لا تقدم التفسیر الأخیر لعملیة المعرفة ولمبادئ الوجود الإنساني. وإنما هي جزء من نظام ولیست الجزء الذي یتبغى تسمیته بالنظریة الأولى. كما أن الواقعیة الجدلیة لیست في حد ذاتها نظریة نقدیة، ولكنها تشكل المدخل الضروري للنظریة النقدیة (ص 89).

ثانيا: منهج الانساق المتكاملة والأيديولوجية العلمية

وبعد أن يتعرض نصار لمفهوم أيديولوجية العلم ينتقل إلى دراسة المشكلات التي ينبغي دراستها لوضع نظرية كاملة في الأيديولوجية العلمية. ذلك أن نصار في محاولته حل مشكلة الطائفية، وهي المشكلة التي تتصارع فيها الأيديولوجيات المتعارضة المتناقضة منذرة بأوخم العواقب يدعونا إلى مرجعية علمية واعتماد سلطة العقل العلمي وإقامة علاقة صحيحة بين العلم والسياسة وبين العلم والسلطة أو بتعبير أدق بين العامل في حقل العلم وإدارة حياة المجتمع. لذلك نراه يسعى جاهدا لاقتراح نظرية كاملة في الايديولوجية العلمية لأن النظرية هي الكفيلة وحدها باعتماد سلطة العقل العلمي وهو في سبيله إلى تحقيق ذلك يدرس المشكلات التي ينبغي دراستها لوضع هذه النظرية ويقترح تقسيما تندرج تحته تلك المشكلات.

وينتهي نصار من ذلك إلى أن أيديولوجية العلم هي نظرة إلى الحياة الاجتماعية بكليتها من زاوية العلم والنشاط. وهي تقوم على أساس من النظر الفلسفي والعلمي، ولكنها علمية من ألفها إلى يائها. وعلى هذا تمتزج في الأيديولوجية العلمية معطيات من فلسفة الإنسان وفلسفة العالم وتاريخه وسوسيولوجيته ومعطيات بعلاقة العلم مع مختلف قطاعات الحياة الاجتماعية ومستوياتها في مرحلة معينة من التاريخ الاجتماعي.

ثالثا: العقلانية النقدية المنفتحة ومشكلة الحدود بين العقل والايديولوجية

ويذهب نصار إلى أن مشكلة الحدود هذه ملازمة لتاريخ العقل. فكما عرف هذا التاريخ محاولات لتعيين حدود العقل من جهة الدين، ومحاولات أخرى من جهة الفلسفة، عرف محاولات لإنكار وجود حدود أمام العقل. لذلك يدعونصار إلى ما أسماه "العقلانية النقدية المنفتحة" حتى يمكن استيعاب نتائج المحاولات في عملية إعادة بناء العقلانية.. وهي عقلانية تمارس التحليل النقدي لقدرة العقل وحقوقه وممارساته وحدوده، من دون خوف الخضوع لأي منظومة اعتقادية تزعم لنفسها الحق في تعيين الحدود الشرعية العائدة إلى العقل، ومن دون التزام بأي عبادة للعقل.

وتتعين عنده حدود العقل في الايديولوجية على مستوى هوية الجماعة، قيمها العليا وعلى مستوى أهدافها المرحلية. وتتعين عنده حدود الايديولوجية بالنسبة إلى العقل على ثلاثة مستويات، مستوى البحث عن الحقيقة، مستوى الإنسان ومصيره، ومستوى القيم الإنسانية الشاملة.

وينتهي نصار من ذلك إلى القول أن "التنازع بين العقل والايديولوجية في عالمنا الراهن مستمر حول الحدود بينهما... انه تنازع في تاريخ طويل من التنازعات التي عرفها العقل في علاقته الجدلية مع انواع الاعتقاد، ولعله يفضي اكثر من غيره، إلى إذكاء شعور الناس، على امتداد الكرة الارضية بالحاجة إلى تطوير العقلانية والانتصار لها.

ويتساءل د. السيد نفادي تعليقا على هذا العرض للعلاقات بين الايديولوجية والفلسفة والعلم من خلال نظرية نصار المسماة "الواقعية الجدلية" ومن خلال منهج "الأنساق المتكاملة" ومن خلال وجهة نظر "العقلانية النقدية المنفتحة": هل نأخذ بالواقعية الجدلية أم بالعقلانية النقدية المنفتحة. ويرى أن الأفضل هو أن يلتزم نصار بأحدهما ويدمج الآخر في نسيج فلسفته حتى لا يبدو الأمر وكأنه توفيق بين مذاهب متعارضة. ويرى أنه كان في إمكانه أن يتخذ "الواقعية الجدلية" عنوانا لمذهبه وأن يحاول تأصيلها فيسحبها ليس فقط للإجابة عن السؤال الفلسفي الأساسي الذي تطرحه المرحلة التاريخية الحضارية الجديدة التي يعيشها العالم العربي اليوم، وهو الإجابة على سؤال الإنسان، وإنما أيضا للإجابة عن سؤال المعرفة. (ناصيف نصار والإيديولوجيا، علمية أم سلفية، السيد نفادي، ص 309-328).

على الجانب الآخر يستعرض أدونيس العكرة مفهوم "الواقعية الجدلية" عند نصار من حيث ارتباطه بالواقع المجتمعي، كما يلي ،

الواقع الذي يتعامل معه هذا المفكر يشتمل، بمعناه الحصري، على ما يقدمه الوجود الفعلي والتاريخي للمجتمع العربي الراهن بصورة عامة، ومجتمعه اللبناني بصورة خاصة، وللإنسان العربي واللبناني في موضوعية مشكلاته ومعاناته. كما أنه يشتمل، بمعناه العام، على مضامين الوضعية التاريخية الحضارية التي تعيش الشعوب العربية فيها، وعلى مضامين الوضعية الحضارية الإنسانية العامة التي تشكل الوضعية العربية الخاصة جزءا منها. فمن هذا الواقع ينطلق في تعيين القضية الفلسفية الأساسية، وإليه يعود في موقف نقدي يضمن للحركة الجدلية القائمة بين الخصوصية والشمول مسارها الإبداعي. فعلام تقوم نظرية "الواقعية الجدلية" في كتابات ناصيف نصار؟

تقوم نظرية الواقعية الجدلية أولا على "استقلالية الواقع العيني وأسبقيته بالنسبة إلى العقل النظري"، وهذا ما يطرح السؤال حول كيفية معرفة هذا الواقع العيني: هل هي عملية نقل الصورة المنطبعة في الوعي إلى حيز التعبير عنها خارجيا باللغة والمنطق وغيرهما من الوسائل المتعارف عليها بين أفراد الجنس البشري للتواصل فيما بينهم ونقل الأفكار؟ أم هل للنشاط العقلي المحض دور أساسي في تظهير هذا الواقع العيني وتكييفه مع ديناميكية الفكر الحي؟ ... والحال أن طرح هذه المسألة جاء في سياق دراسته للصراع العقائدي في لبنان. وبالتالي، فإن الواقع المقصود دراسته هو العقيدة كظاهرة ثقافية في كلية مجتمعية معينة، وهذا ما يحتاج إلى توضيح الواقع النظري الذي يمكن من القيام بتلك المهمة بصورة تساعد على التقدم في بلورة البناء النظري الذي يسعى لإبداعه. إن الواقع العيني، يقول نصار هو واقع قائم وحاصل في الوجود الخارجي، وموضوع أمام الفكر العقلي، إلا أن معرفته هي عملية انعكاس جدلية. وتوضيح ذلك أن ديناميكية "الفكر العقلي" تنفي أن تكون المعرفة مجرد انعكاس للواقع العيني في الوعي العقلي، بل إن المعرفة تجري نمط إعلان الواقع القائم عن نفسه وانكشافه للوعي العقلي، ثم يأتي النشاط العقلي المحض ليقولب وليصوغ معطيات الواقع القائم. وهنا يعتبر نصار أن الواقعية الجدلية "تحاول أن تحل التعارض التقليدي بين المذهب التجريبي والمذهب العقلاني، وتعتبر أن تملك الحقيقة الموضوعية، أي عملية تعقل الواقع وإخضاع العقل للواقع، مشروع يتجدد دوما، وتتكامل فيه النظريات حتى نهاية الزمان التاريخي، إذا كانت له نهاية".

فهناك مسألتان يولدهما الواقع الذي ينطلق منه نصار، وهما التقليد والتبعية. فالتقليد يؤدي إلى اتخاذ موقف من التراث يختصر في إبراز إنجازاته وتقييمها في إطار مرحلتها التاريخية الغابرة، ولكن النقد التاريخي والحضاري من شأنه أن يخضع المعارف والقيم والحقائق لمنطق الحياة المتقدمة وديناميتها ولمنطق التطور، فيرفض تطبيق الماضي على الحاضر لأن منطق الحياة الواقعي يأبى الخضوع إلى الماضي. وأما التبعية فتقود إلى اتخاذ موقف من تاريخ الفلسفة يختصر بالتأكيد على دوره في نقل تجارب الفكر البشري وضعياته الحضارية التاريخية المختلفة، ولكنه يرفض الانغلاق ضمنه والارتباط أسرا. غير أن الجدلية التي تسري في هذا الواقع تضمن ارتباط الماضي بالحاضر ضمن إطار الانتماء والتفاعل والمشاركة الإيجابية، وذلك عن طريق هضم العناصر الصالحة من التاريخ والتراث وتحويلها في عملية إبداعية أصيلة وراهنة انطلاقا من الوعي بدور الفعل الفلسفي في الواقع الثقافي المجتمعي والمتعين في الزمان والمكان. ففي هذه الجدلية بين الرفض والاتباع يكتسب تاريخ الفلسفة، ويكتسب التراث، معنى موحدا مضيئا، ويتحولان بثروتهما النظرية إلى مصدر إلهام وحياة.

أما الواقع الذي يعود إليه نصارفيولد مسألتين هما الخصوصية والشمول. فالتفهم العميق للوضعية التاريخية الحضارية التي تكتنف الوطن العربي في الزمن الحاضر يكشف عن تميز المشكلات والقضايا الأساسية من غيرها في سائر الوضعيات الحضارية، سواء أكانت من التاريخ العربي نفسه أم من تاريخ الحضارات العالمية، ومواجهة هذه المشكلات الجديدة تقتضي موقفا جديدا يحمل هموما جديدة وأفكارا جديدة تخص هذا الزمن بالذات، وهذا الإنسان دون غيره. فلكل جماعة خصوصيتها، وكل فلسفة اجتماعية تاريخية إنما هي تعبير عن وجهة نظر تلك الجماعة المعينة، سواء كانت أمة أم طبقة أم حزبا أم غير ذلك. أما من جهة الشمول، فإن الفكر الفلسفي بطبيعته ينزع إلى تجاوز إطاري المكان والزمان ليبلغ شمولية الوضع الإنساني الكوني، أي أنه يرتقي إلى صعيد الإنسان بما هو إنسان، ويحاول تعقل الوجود الإنساني في أشكاله وأبعاده الأساسية، متجاوزا بذلك أعراض وخصوصيات الجماعات والمجتمعات التي ولدته. غير أن في هذا الواقع المتناقض تسري أيضا جدلية تضمن التكامل بين الخصوصية الواقعية والشمول الواقعي، فالتجربة الفلسفية الخاصة التي تنجح بالتعبير عن الواقع الذي ولدها، سرعان ما تتحول إلى وضعية شمولية من جهة ما تندرج في حقيقة الوجود الإنساني الكلي (ناصيف نصار في معركة الاستقلال الفلسفي، أدونيس العكرة ص 536 – 538).

5- الأمة والسلطة والحرية والوجود التاريخي

بعد تأسيس العلاقة المنهجية بين الفلسفة والأيديولوجيا أصبح ممكنا لنصار استكمال العناصر المفاهيمية للمشروع. وقد تمثلت عنده في تأسيس مفهوم الأمة "العربية" المرتكز على مبدأ "الحرية" وعلى تصور صحيح لمفهوم "السلطة" والذي يقوم على "وجودها التاريخي" وعلى تحقيق الإنسان العربي (الذات) لوجوده، وهي المفاهيم التي تؤسس في مجموعها لما يسميه "النهضة العربية الثانية". فظهرت أعماله التالية التي تؤسس نظريا لتلك المفاهيم، مع مركزية مفهوم "العلمانية" فيها.

أ‌-       السلطة

يعرض محمد بنحماني لمفهوم السلطة عند نصار في "الدين والسلطة من منظور ناصيف نصار، ويلخص هذا العرض في السطور التالية،

من الأسماء الحركيّة التي أطلقها الفيلسوف ناصيف نصار على فلسفته أنّها فلسفة للسلطة. وهي تسمية تستمدّ مشروعيتها المباشرة من تخصيص هذا الفيلسوف لمؤلف بكامله حول موضوع يعتبره رئيسياً في فلسفته، وهو موضوع السلطة، والذي يحمل عنواناً له "منطق السلطة". كما أنّ هذه التسمية تستمدّمشروعيتها من تلك الروح العملية السارية في فلسفة هذا الفيلسوف، كفلسفة سياسية عقلانية قوامها ردّ الاعتبار للعقل العملي السياسي. فلسفة مرتكزها الأساسي، كما يقول صاحبها: "البحث عن استراتيجية العمل الميداني لدعم حركة العلمنة ودفعها إلى التحقق بكامل أبعادها  في العالم العربي"، وذلك في إطار ما يسميه بالنهضة العربية الثانية. كما أنّه ردّ اعتبار يروم من خلاله ناصيف نصار أيضاً الانخراط، من خلال فلسفة جديدة للسلطة، في ذلك الجدال الفلسفي السياسي المحتدم اليوم حول دور الدين في السياسة، بعد تصاعد نفوذ الحركات الأصولية الدينية في مختلف مناطق العالم.

ويضيف،

من هنا، ومن منطلق هذين الدورين: العملي والنظري اللذين يوكلهما ناصيف نصار للفلسفة، فإنّنا نفترض في هذه الدراسة أنّ التنظير الفلسفي النصاري للدين والسلطة، تحكمه رؤية محددة للسلطة الدينية. رؤية تعتبر الدين نموذجاً يحتذى بالنسبة إلى كلّ سلطة تريد لنفسها أن تكون رديفة للاستبداد والهيمنة، "مادامت كلّ هيمنة أخرى، للعقل وللدولة أو لسواهما، تستلهم نموذج الهيمنة الدينية، وتضفي على نفسها صفات دينية كالإطلاقية والقدسيّة". وواقع السلطة السياسية في العالم العربي أحسن شاهد على هذا. كما أنّها رؤية تعتبر أنّ كلّ إعادة بناء للسلطة، لتصبح حقاً في الأمر وواجباً في الطاعة، أي فضاء لممارسة عقلانية قوامها العدل والحرية، تمرّ حتماً عبر تخليص السلطة الدينية من هذه الهيمنة. وهذا التخليص إنّما يجد تحققه في المجتمع العلماني، كمجتمع يأمل هذا الفيلسوف تحققه في العالم العربي. وهذا التخليص للسلطة الدينية من هيمنتها يبقى في المنظور النصاري من مهام السلطة السياسية كسلطة رئيسية في المجتمع، يفترض أن يعاد بناؤها لتكون عنواناً لتحقيق العدل في ممارستها من جهة، وفي علاقتها بباقي السلط، وعلى رأسها السلطة الدينية، من جهة أخرى. وهكذا وبموجب هذه الفرضية فإنّنا سنقف في هذا البحث مع الفيلسوف ناصيف نصار عند مفهومه للسلطة، ولماهية كلّ من السلطتين السياسية والدينية. غايتنا في ذلك رصد تصوره للعلاقات الممكنة بين هاتين السلطتين، ولكيفية تحقيق ممارسة عادلة للسلطة في ظلّ المجتمع العلماني، ولآفاق هذه الممارسة في المجتمع العربي. (الدين والسلطة من منظور ناصيف نصار – محمد بنحماني، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، سبتمبر 2016).

ب‌-   الحرية

في المقابل يوجز محمد نور الدين أفاية الفكرة المركزية في "باب الحرية" لنصار كما يلي،

يبدو ناصيف نصار مهجوسا بمسألة النهضة. ففي "باب الحرية" يقرن بوضوح بين ما ينعته ب"النهضة العربية الثانية" ومفهوم إعادة البناء. فهو يرى أن "كل شيء في العالم العربي محتاج، بدرجة أو بأخرى، إلى إعادة بناء. وإعادة البناء تعني، أولا: إعادة النظر في ما طرحته النهضة، ثم الثورة، وتقييمه... وإعادة البناء تعني، ثانيا: وضع تصور واضح للقيم الرئيسية التي لا يمكن أن تكون عملية التغيير نهضوية حقا في شروط القرن الجديد من دونها. وتعني ثالثا: تنفيذ خطط عملية تأخد في الاعتبار ما هو ضروري وصالح في المستقبل القريب وما هو ضروري وصالح في المستقبل البعيد. إن إعادة البناء تستلزم النقد، ولا ترتد إليه. وتستلزم المحافظة، ولا ترتد إليها، وتستلزم التهديم، ولا ترتد إليه، كما تستلزم المبادرة والتخيل والمغامرة.

إعادة البناء هي، في العمق، دعوة إلى إنتاج عالم جديد من خلال "عملية إنشائية إبداعية" و"إطلاق قوى الحرية والعقل والخيال". حرية الذات مع ذاتها، واستدعاء مبدأ التضامن في علاقة الذات بالآخرين. وتفترض إعادة البناء هذه اختيارا فلسفيا وأيديولوجيا يسميه ناصيف نصار "الليبرالية التكافلية" ويدعو إلى "تعميمها وترسيخها في المجتمعات العربية بغية تحقيق نهوض حضاري شامل في كافة وجود حياتها ومشاركة فعالة في حركة العولمة ومؤسساتها". (الذاتية والوعي الفلسفي بالوجود في نظرات ناصيف نصار - محمد نور الدين أفاية، ص98).

ج- الذات والحضور

ويمثل كتاب "الذات والحضور" تكملة الثلاثية عند نصار التي تعنى بالجانب العملي في فلسفته، وهو كذلك المؤلف الأكثر تجريدا وتنظيرا. يستعرض محمد المصباحي بعض الأفكار المركزية في هذا الكتاب كما يلي،

ننتقل إلى التعريف بكتاب "الذات والحضور" الذي يتكون من سبعة أبواب و28 فصلا... وتؤم هذه الفصول غاية واحدة هي إثبات حضور الذات، وكيف تصنع الذات ماهيتها وهويتها. فإذا ترجمنا هذه الغاية بلغة أرسطية، أي إذا ترجمنا الحضور بالفعل، أو بالخروج من القوة إلى الفعل، فإنه يحق لنا أن نقول إن موضوع الكتاب هو النظر في إخراج الذات لنفسها من القوة إلى الفعل. إلا أن صاحب الكتاب يفاجئنا بتعريفه له بأنه بحث موجز في "مبادئ الوجود التاريخي" أو بأنه بحث في وجود الفعل أو الوجود بالفعل معتبرا إياه استكمالا أو تتويجا لمشروع كبير ابتدأ بكتابيه: "منطق السلطة" و"باب الحرية"، و"تندرج مواضعيه من الهاهنا والآن حتى المطلق اللامتناهي". وتدور أبواب الكتاب وفصوله "على سؤال واحد: ماذا يعني أن الإنسان يصنع نفسه؟ وأنه... قادر على تقرير مصيره بنفسه، وليس فقط على معرفة نفسه بنفسه. وتقرير المصير يعني... أن الإنسان قادر على أن يكون ذاته بأن يصير ذاته... وهذا هو منطق الحاضر ورهان الحضور". وهذا يعني أن معرفة الذات لذاتها ليست كافية، بل لا بد من أن تنتقل من ذلك إلى تقرير مصيرها بنفسها بأن تصنع نفسها بنفسها بأداتي العقل والحرية. (قراءة في كتاب الذات والحضور – محمد المصباحي، ص108)

6- الاشتباه في التصنيف

في المشروعات الفكرية ذات الطابع الجذري يظهر أحيانا الاشتباه في تصنيف المشروع، وهو اشتباه لا يرتفع إلا مع مرور الزمن (وأحيانا يظل مستمرا ويظل الاختلاف حول الموقف الفكري للمفكر مستمرا). في حالة مشروع الاستقلال الفلسفي لنصار يظهر الاشتباه من حيث التصنيف، هل يمثل مشروعا فلسفيا بالمعنى الذي طرحه نصار نفسه، أم هو موقف أيديولوجي.

يبرر محمد المصباحي تصنيفه لناصيف نصار كفيلسوف (وبالتالي اعتبار مشروعه مشروعا فلسفيا) كما يلي،

"نصار فيلسوف حقيقي"، أولا لأنه مؤمن بالفلسفة، وثانيا لكونه أصر وبعناد كبير على تجديد القول الفلسفي العربي على مستوى الإشكالية واللغة والمنهج، وثالثا لأنه أبى إلا أن يوجه خطابه للإنسانية بعامة، ورابعا لأن البحث عن الماهية كان لازمة من لوازم تفكيره الفلسفي، وخامسا لأنه كان يفكر فلسفيا من داخل اللغة العربية، وسادسا لأنه نجح في خلق لغة خاصة به وموقف فلسفي محدد هو فلسفة الحضور. إن ما يعزز أصالة نصار الفلسفية هو ممارسته لعدة مناهج كالجدلية والاستكشاف، والفينومينولوجيا، والتأويل، والتحليل التشخيصي، والنظر الكياني، والنظر الأكسيولوجي، والنظر الإيبيستيمولوجي. (محمد المصباحي – قراءة في كتاب "الذات والحضور").

في مقابل ذلك ترى إلهام منصور أن هذا المشروع يقع في دائرة الإيديولوجيا،

كل هذه الملاحظات تضع قول نصار في الأيديولوجيا والسياسة وليس في المحض الفلسفي. وأتوقف عند هذه الملاحظات لأقول في النهاية إن قول ناصيف نصار هو قول لا يدعي أنه قول فلسفي، بل يطمح إلى أن يكون قولاً فلسفياً؛ وهو أمر إيجابي لأنّه يستوجب الجهد والاستمرارية. (أين نموضع قول ناصيف نصار –إلهام منصور، ص 167).

ويؤيد ذلك أيضا السيد نفادي ولكن من زاوية منهجية-معرفية حيث يرى،

بادئ ذي بدء يعترف "نصار" بأنه لا يسعى إلى تقديم مذهب فلسفي معين، ولكنه يرسم طريقا يمكن أن يؤدي إلى تكوين فكر فلسفي عربي جديد، ويشرح في الوقت نفسه تصوره لفعل التفلسف. ويرى نفادي أنه كان في إمكان نصار أن يتخذ "الواقعية الجدلية" عنوانا لمذهبه وأن يحاول تأصيلها فيسحبها ليس فقط للإجابة عن السؤال الفلسفي الأساسي الذي تطرحه المرحلة التاريخية الحضارية الجديدة التي يعيشها العالم العربي اليوم، وهو الإجابة على سؤال الإنسان، وإنما أيضا للإجابة عن سؤال المعرفة. فيصبح لديه موقفا فلسفيا محضا من قضايا المعرفة المجردة. (ناصيف نصار والإيديولوجيا، علمية أم سلفية، السيد نفادي، ص 326).

كذلك يرى أنطوان سيف أن مشروع نصار ينتمي إلى الأيديولوجيا وذلك لأنه مشروع يهدف لمنفعة جماعية معينة في مرحلة تاريخية معينة. (الاستقلال الفلسفي عند ناصيف نصار- "ناصيف نصار من الاستقلال الفلسفي إلى فلسفة الحضور)، ويصنفه أيضا محمد سبيلا كمشروع في الأيديولوجيا (آليات العقل الأيديولوجي في كتابات ناصيف نصار، "ناصيف نصار من الاستقلال الفلسفي إلى فلسفة الحضور).

7- مستقبل النهضة العربية

يقدم ناصيف نصار وجهة نظره بالنسبة لمستقبل النهضة العربية في حوار لجريدة الرأي (عام 2012) في السطور التالية،

قلت ان النهضة العربية الثانية لا بد من أن تكون حضارية شاملة، وأقصد بذلك أنها لا بد من أن تكون اقتصادية تغير الأنظمة الاقتصادية القائمة في البلدان العربية، كما لا بد لها من أن تغير الأنظمة الثقافية والأنظمة الاجتماعية والأنظمة السياسية. وهذا معناه أن المعرفة العلمية وحدها لا تكفي اطلاقاً لانتاج نهضة شاملة على مستوى المجتمعات العربية.

العلم عامل مهم جداً في عملية تغيير العقلية السائدة، ولكنه عامل بين جملة عوامل أخرى لا بد من تضافرها لكي تنهض الشعوب العربية نهضة شاملة على أسس جديدة. فالديموقراطية مثلاً تستفيد كثيراً من التأثير الايجابي للعلوم الانسانية، ولكنها تحتاج أيضاً الى نظرة فلسفية جديدة للانسان والمجتمع والسياسة، تقوم على مجموعة مبادئ من بينها مبدأ الفرد العاقل المستقل الحر في إطار انتمائه للجماعة الوطنية، وتحتاج أيضاً الى أنظمة تربوية ملائمة وإعادة التفكير في نظام الأسرة ونظام العمل. ولذلك ينبغي النظر على مدى طويل من دون اختزال ومن دون تعجل الى التحولات والخطط التي تخدم العمل العربي في اتجاه النهضة المنشودة. (حوار جريدة الرأي، ناصيف نصار: النهضة العربية الثانية قادمة).

أهم أعماله

بالفرنسية

أبحاث

حوارات

مقالات عنه

كتب عنه

 نصوص

مصادر

تحرير: سمير أبو زيد